افتتح الروائي فخري أمين عمله الروائي “ناي” الصادر مؤخراً عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، إهداءً وجدانياً مفعماً بالشجن الإنساني والعمق الفلسفي إلى روح صديقه الراحل الموسيقار أكرم حبيب، حيث كتب:
“إلى روح صديقي الموسيقار أكرم حبيب، أقصى أمنياتي جموحاً وجنوناً، في لحظة رحيلك المؤسية، أن أتخيلك واحداً من شخصيات هذه الرواية. كنت سأهبك فصلاً تلتقي فيه السيد حيدر السواس. هذا الرجل الصوفي، لم يطق البقاء في المدينة وقت ضاقت بأناشيده، حمل عشقه للموسيقى وهاجر. إنه معادلك في النص. روحك المسهّدة في يقظة أحلامك. صوتك الداخلي الذي تصاممت عن نداءاته، وآثرت البقاء. وفجأة رحلت، بخفة طائر رحلت، مخلفاً السيد حيدر السواس، في مواجهة قدرية غيابك، عاجزاً، مستسلماً، متطلعاً إليك من نافذة الكلمات، متمعناً في فراغك المرئي، ممعناً في المعنى، باثّاً نايه شجن أشواقه، حتى منتصف الكتاب الثالث، من هذه الثلاثيّة، لحظة يفلت الناي من يده، إثر إصابته وهو يصعد أحد جبال القوش الوعرة، برشقة طلقات طائرة هليكوبتر، متدحرجاً إلى قرارة وادٍ سحيق، لينضم إليك، والى ابراهيم الموصلي، وابنه اسحاق، زرياب، والفارابي، وباخ، وموزارت، وشتراوس، وتشايكوفسكي، وفاغنر، وبتهوفن، وشوبان، وديبوسي، وسيد درويش، والملا عثمان، هناك، في فردوس من الموسيقى والمقامات والأناشيد.”
ويُشكل هذا الإهداء مدخلاً مفتاحياً وفلسفياً للرواية التي تُعد المحطة الثالثة في مسيرة فخري أمين الأدبية بعد روايته “أجنحة الفراشات” (2019) و”حارس المنارة” (2023)، إذ يُجسر الكاتب فيه الفجوة بين الفقد الواقعي والخيال السردي المنقذ.
تغوص الرواية في عمق التحولات الوجدانية والإنسانية، متخذةً من تاريخ مدينة الموصل وقضاء تلكيف بمحافظة نينوى مسرحاً رئيسياً للأحداث، حيث يتجاوز النص حدود التدوين التاريخي ليعيد تشكيل الوعي عبر معالجة سردية تتشابك فيها الأبعاد الصوفية مع مفاهيم التسامح والتسامي الروحي.
وترتكز حبكة العمل على تجربة إنسانية يجسدها الشاب الصوفي المسلم “حيدر” والراهبة “ماريا”، في رحلة صمود وتماسك بوجه خطابات التطرف والإلغاء، إذ تتحول آلة “الناي” في البناء السردي إلى رمز مركزي يجسد التطهر والذاكرة الوطنية والحوار الإنساني العابر للمكونات المتآخية في المنطقة.
وفخري أمين روائي وصحفي عراقي من مدينة الموصل، يُعد من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي والروائي العراقي.
وأكرم حبيب من مواليد 1937 توفي عام 2023 وهو موسيقي وعازف عود ومعلم عراقي، من مواليد الموصل. كانت بدايته مع الموسيقى منذ عام 1965 أضاف إلى العود العادي عوداً بصوت حاد واثنين باص (فيولنسيل بالريشة) فشكل “عائلة عود” (تكنشن وتوزيع).

التعليقات