التخطي إلى المحتوى

دبي – لم يكن الهجوم الذي نفذه مساعد طيار على قائد طائرة تابعة لشركة فلاي دبي متجهة من دبي إلى تل أبيب الاربعاء، مجرد حادثة عنف داخل قمرة القيادة، بعدما كشفت التحقيقات عن مسار مهني وأمني مثير للجدل للمشتبه به، الذي كان قد أُبعد سابقا عن العمل في الطيران في سلطنة عمان بسبب مخاوف مرتبطة بآرائه المتطرفة، قبل أن ينتقل للعمل في شركات طيران أخرى وينتهي به الأمر مساعد طيار على الرحلة التي تعرضت للهجوم.

والمشتبه به هو العماني همام الحمامي، البالغ 29 عاما، والذي ولد في الإمارات لأب عُماني وأم سورية، بحسب تقارير إعلامية أميركية.

وكان الحمامي قد عمل لسنوات في قطاع الطيران، من بينها نحو سبع سنوات في شركة الطيران العُمانية، وفق بيانات مهنية نُسبت إلى حسابه على موقع لينكدإن.

وبحسب ما أوردته “وول ستريت جورنال” و”سي إن إن” و”إيه بي سي نيوز”، أوقف الحمامي عن العمل كطيار في سلطنة عمان بعدما أثارت السلطات أو الشركة مخاوف بشأن أفكاره المتطرفة.

وقالت مصادر أميركية إن مواد ذات طابع متطرف عُثر عليها بحوزته، لكن طبيعة هذه المواد لم تُكشف علنا.

وأفادت “إيه بي سي نيوز” نقلاً عن مسؤولين أميركيين بأن الحمامي كان متدربا كمساعد طيار لدى الطيران العُماني في 2024، قبل أن يُمنع من الطيران وينقل إلى وظيفة إدارية بدلاً من إنهاء علاقته بالشركة بصورة نهائية.

وتشير البيانات المهنية المنسوبة إليه إلى أنه عمل في الطيران العُماني من فبراير/شباط 2018 إلى فبراير/شباط 2025، وأنه أصبح مساعد طيار اعتباراً من يناير/كانون الثاني 2022. غير أن تفاصيل انتقاله بين شركات الطيران تثير بدورها أسئلة حول إجراءات التدقيق الأمني التي خضع لها.

فبعد مغادرته الطيران العُماني، التحق الحمامي بالخطوط الملكية المغربية في يونيو/حزيران 2025، قبل أن يغادرها في يناير/كانون الثاني 2026. لكن صحيفة “لو ديسك” المغربية أفادت بأن الشركة أكدت أنه لم يقد طائرات تابعة لها، وأن وجوده اقتصر على نحو ثلاثة أشهر من التدريب النظري، وهو ما يختلف جزئياً عن الصورة التي كان يقدمها ملفه الشخصي على منصة ليندكد اين.

ثم انتقل الحمامي إلى شركة فلاي دبي، حيث عمل نحو ثمانية أشهر قبل حادثة الرحلة FZ1073، وفق مصادر نقلت عنها “سي إن إن”.

وكان الحمامي قد درس إدارة الطيران في جامعة باكينغهامشير الجديدة في بريطانيا، وحصل في 2023 على شهادة في هذا المجال عبر برنامج للتعليم عن بعد استمر ثلاث سنوات، بحسب الجامعة و”سي إن إن”.

وفي 30 سبتمبر/أيلول، كان الحمامي ضمن طاقم الرحلة FZ1073 المتجهة من دبي إلى تل أبيب، عندما هاجم قائد الطائرة داخل قمرة القيادة.

وكانت التقارير الأولى تتحدث عن استخدام سلاح أبيض، لكن النيابة العامة الإماراتية أعلنت لاحقاً أن التحقيقات الأولية أظهرت أن المساعد استخدم فأس الطوارئ الموجودة في قمرة القيادة وهاجم بها قائد الطائرة وحاول السيطرة على أدوات التحكم.

وتعرض قائد الطائرة، وهو طيار هندي يدعى سميت ماتشّار، لإصابات، لكنه تمكن من الوصول إلى باب قمرة القيادة وفتحه، ما أتاح لعدد من أفراد الطاقم والركاب التدخل والسيطرة على المهاجم. وكانت الطائرة قد دخلت في هبوط حاد، إذ أظهرت بيانات تتبع الرحلة انخفاضها بنحو 16625 قدماً خلال ما يزيد قليلاً على 30 ثانية.

وبعد استعادة السيطرة على الطائرة، جرى تحويل مسارها إلى مدينة تبوك السعودية، حيث أوقف الحمامي.

وقال أحد الركاب الذين وصلوا إلى قمرة القيادة، الطبيب شوتا موساييف، إن الحمامي، بعدما جرى تقييده وكان ملطخاً بالدماء، قال إنه عُماني وطلب منه في لحظة ما “اقتلني، أرجوك”، وفق ما نقلته “إيه بي سي نيوز”.

وأثار سلوك الحمامي خلال الرحلة وأسئلته السابقة في قطاع الطيران اهتمام أجهزة الأمن، خصوصاً بعد ظهور مواد على حسابات إلكترونية مرتبطة به.

فقد تمكنت “سي إن إن” من مراجعة نحو 3000 منشور محذوف من حساب على منصة إكس يحمل اسمه، تعود إلى عامي 2021 و2022. وأظهرت المنشورات مواقف دينية واجتماعية محافظة بشدة، بينها آراء بشأن عمل النساء والاختلاط وشروط الزواج.

وبعد حادثة الطائرة، ظهرت منشورات على حسابات مرتبطة باسمه على مواقع التواصل، قبل أن تختفي لاحقاً. وتضمنت إحدى المواد صوراً ومشاهد مصورة من قمرة قيادة لطائرة بوينغ 737، إضافة إلى صور لطائرات تابعة لشركة العال الإسرائيلية وطائرات إسرائيلية أخرى.

وفي نهاية أحد المقاطع ظهرت صور لأيمن الظواهري، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة، وهمام خليل أبو ملال البلوي، المرتبط بالقاعدة والذي نفذ تفجيراً في قاعدة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في أفغانستان عام 2009.

كما تضمنت مادة أخرى صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تجمع مكة والمدينة والقدس، إلى جانب قصيدة ذات مضمون ديني يتحدث عن الكرامة ورفض الخوف من الموت.

لكن “سي إن إن” أشارت إلى أنها لم تتمكن من إثبات أن الحمامي هو الذي نشر هذه المواد بعد الهجوم، أو أنها كانت معدة مسبقاً للنشر، كما أن ظهور صور مرتبطة بالقاعدة لا يثبت بحد ذاته انتماءه إلى التنظيم.

ولم تعلن السلطات حتى الآن عن أي دليل يثبت ارتباط الحمامي بتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية، كما لم تعلن عن وجود شركاء له أو جهة أمرته بتنفيذ الهجوم.

وفي إسرائيل، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن الحمامي خضع، بحسب المعلومات المتوفرة لديه، لما وصفه بالتلقين الإسلامي المتطرف، واعتبر الهجوم محاولة ذات طابع انتحاري. وشاركت أجهزة أمنية إسرائيلية في التحقيق، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية.

وتبحث التحقيقات أيضاً في احتمال أن تكون إسرائيل نفسها هدفاً مقصوداً للهجوم، خصوصاً أن الرحلة كانت متجهة إلى تل أبيب، وأن مواد ظهرت في حسابات مرتبطة بالحمامي تضمنت صوراً لطائرات إسرائيلية. لكن هذه الفرضية لم تُثبت بصورة نهائية حتى الآن.

وأعلنت النيابة العامة الإماراتية في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول أن التحقيقات الأولية أظهرت أن ما جرى كان محاولة لتنفيذ “عمل إرهابي”، وأن الحمامي وضع خطة أثناء الرحلة وهاجم قائدها بفأس الطوارئ وحاول السيطرة على الطائرة.

وأكدت النيابة أن التحقيق لا يزال مستمراً لتحديد دوافعه والظروف المحيطة بالهجوم وأي روابط محتملة له، إضافة إلى فحص الأدلة المادية والرقمية.

ويبقى أحد أبرز الأسئلة التي تطرحها القضية: كيف تمكن شخص كانت لديه، وفق مصادر أميركية، سوابق من المخاوف الأمنية في قطاع الطيران العُماني، من الانتقال إلى شركات طيران أخرى والوصول في نهاية المطاف إلى قمرة قيادة طائرة تجارية متجهة إلى إسرائيل؟

وتقول تقارير صحافية إن سلطنة عمان ربما كانت على علم بالمخاوف المرتبطة به، لكن لم يتضح حتى الآن ما إذا كانت قد أبلغت شركات طيران أخرى أو السلطات في دول أخرى بها. كما لم يثبت علناً أن فلاي دبي كانت على علم بهذه المعلومات عندما وظفته.

التعليقات

اترك تعليقاً