تعد العلاقات العسكرية والدفاعية بين المملكة العربية السعودية وباكستان من أعمق التحالفات غير الرسمية في التاريخ الحديث للشرق الأوسط وجنوب آسيا. وقد استندت هذه العلاقة منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلى مفهوم التعاون الاستراتيجي وتبادل الخبرات، حيث لعبت القوات المسلحة الباكستانية دوراً محورياً في بناء وتطوير المنظومة الدفاعية السعودية.
ويأتي تصريح المتحدث باسم الجيش الباكستاني، الفريق أحمد شريف تشودري، بأن القوات الباكستانية موجودة على الأراضي السعودية، تفعيلاً لحلف مكة، بعد موجة من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار الشديدة التي شنها الحوثيون على البنية التحتية الاستراتيجية في السعودية، كنوع من الالتزام بأن إسلام آباد معنية بحماية المملكة.
وحلف مكة الذي تشارك فيه تركيا، يمكن أن يمثل ذروة هذا التعاون بين الدولتين، لكن توقيت هجمات الحوثيين من اليمن بعد أيام من التوقيع وضعه في اختبار صعب لم يمهله المساحة الزمنية الكافية لبناء قدراته العسكرية واللوجستية قبل مواجهة أي تحديات مستقبلية.
حتى لو فرضنا اكتمال منظومة الحلف، فإن تعقيدات الجبهة الجنوبية المفتوحة بين السعودية والحوثيين، تؤكد أن طبيعة الصراع تقترب من نمط حرب العصابات، حيث يستفيد الحوثيون من الجغرافيا الوعرة والامتداد القبلي، أمام جيوش نظامية تحتاج إلى ساحات مفتوحة تتقاتل فيها لتحقيق نصر حاسم، وهو ما قد يغيب عن هذا النموذج الذي يترك المبادرة في يد الطرف الأكثر مرونة وقدرة على توجيه الضربات والاختباء داخل تضاريس ربما هو الوحيد الأكثر دراية بها.
وهو ما يضعنا أمام تحدٍ أكثر خطورة وأهمية، يتمثل في حدود القوة الصلبة وقدرتها على تنفيذ القرار السياسي وصولاً إلى تحقيق الأمن والاستقرار.
هنا تجسد مقولة كارل فون كلاوزفيتز الشهيرة أن “الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، فالعمل العسكري، في أدبيات كلاوزفيتز، لا يمكن أن يكون هدفاً بحد ذاته، بل هو مجرد أداة لتطبيق الإرادة السياسية عندما تصل الطرق الدبلوماسية إلى طريق مسدود.
والموقف الباكستاني في ضوء هذا المنطق، يشير إلى تجنبها الانخراط في عمليات هجومية خارج الحدود، وأن التدخل العسكري في صراع معقد لن يحقق حلاً سياسياً مستداماً، بل سيغرق قواتها في مستنقع بلا أهداف سياسية واضحة، ولن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة.
في النهاية، فإن القوة العسكرية قد تفتح الطريق أو تمنع السقوط، لكن السياسة هي التي تصوغ السلام والديمومة. وحين تصل أداة الحرب إلى أقصى مداها العملياتي، تعود السياسة لتستلم المشعل وتكمل ما عجز السلاح عن إنجازه.
لذا فإنه مهما بلغت كفاءة الجيش الباكستاني في التدريب والتأمين الداخلي، أو قدرة المنظومات الدفاعية على الاعتراض، فإن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها القضاء التام على تهديد يعتمد على مسيّرات رخيصة التكلفة وصواريخ تُطلق من منصات مخفية ومتنقلة. هنا تظهر محددات القوة الصلبة؛ فهي تحمي الأصول الحيوية وتمنع الانهيار، لكنها لا تنهي الصراع.
ورغم العمق التاريخي والشراكة الاستراتيجية، حرصت إسلام آباد باستمرار على إبقاء دورها العسكري داخل أراضي المملكة محصوراً في إطار “الدفاع والهندسة والتدريب”، مع وضع خطوط حمراء صارمة ضد التحول إلى طرف مباشر في أي صراع هجومي أو مواجهة خارجية خارج حدود السعودية.
والتهديد الوجودي بالنسبة لباكستان كان ولا يزال يتمثل في الهند. وأي تشتيت للقوات المسلحة الباكستانية أو الانخراط في جبهات قتال خارجية بعيدة يضعف جاهزيتها واستعدادها على خط السيطرة في كشمير، وهو ما لا تسمح به العقيدة العسكرية لجيش إسلام آباد.
ويمثل الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران عاملاً آخر في حسابات إسلام آباد، إذ تتشارك الدولتان حدوداً برية تمتد عبر إقليم بلوشستان. ويجعل استقرار هذه الحدود ورغبة باكستان في عدم تحويل جارتها الغربية إلى خصم مباشر، أي انخراط عسكري واسع في صراعات المنطقة، أكثر كلفة بالنسبة إليها، ما دفع البرلمان والحكومة الباكستانية في أزمات إقليمية عدة إلى تبني مواقف أكثر حذراً، تجنباً لفتح جبهة استنزاف أمنية جديدة على حدودها.
التركيبة الديموغرافية والنسيج الاجتماعي الداخلي تضم باكستان تنوعاً مذهبياً كبيراً، حيث تشكل الطائفة الشيعية نسبة هامة من السكان (تتراوح بين 15 في المئة إلى 20 في المئة). الانخراط في صراعات إقليمية ذات أبعاد مذهبية أو طائفية في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى نقل هذه الصراعات إلى الداخل الباكستاني واشتعال الفتنة المذهبية، وهو خطر أمني قومي تجنبت إسلام آباد الوقوع فيه بصرامة.
في ظل هذا المشهد، فإن القيمة الاستراتيجية للتحرك الباكستاني لا تُقاس بقدرته على حسم الحرب في اليمن، وإنما بقدرته على حماية العمق السعودي وتقليص كلفة التهديد، من خلال توفير صمام أمان ومظلة دفاعية، لتكون درعاً ضد الهجمات الصاروخية والمسيّرات التي باتت تتطلب حزمة حلول تقنية واستخباراتية معقدة تتجاوز النطاق التقليدي للتعاون العسكري بين البلدين، وهو ما يمنح الرياض مساحة أوسع للتحرك السياسي.
والحقيقة التي ستفرضها المواجهة العسكرية بين الرياض والحوثيين هي أن القوة الصلبة، مهما بلغت فاعليتها، لها سقف لا تستطيع تجاوزه، فهي تستطيع حماية المنشآت ورفع كلفة الهجمات، لكنها لا تستطيع وحدها تفكيك البيئة التي تنتج الصراع. وعندما يصبح استمرار الحرب أكثر كلفة من عوائدها السياسية، يصبح التفاوض جزءاً من استراتيجية الأمن، لا بديلاً عنها وليس تراجعاً.
الهدف السياسي النهائي للرياض ليس خوض حرب أبدية، بل تأمين أراضيها، واستقرار اقتصادها، وتحقيق مشاريعها التنموية. والمطلوب هنا هو تجفيف منابع الدعم وتفكيك دوافع التصعيد من جذورها.
لذلك فإن الدور الباكستاني الأكثر واقعية قد يتمثل في تعزيز شروط الأمن التي تسمح للرياض بالانتقال من إدارة التهديد عسكرياً إلى معالجة جذوره سياسياً، عبر التفاوض المباشر والوساطات الإقليمية وإعادة ترتيب التفاهمات مع القوى المؤثرة.

التعليقات