واشنطن – يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمالا بفتح جبهة سياسية جديدة خلال العامين الأخيرين من ولايته، مع تصاعد المنافسة على السيطرة على مجلس الشيوخ في انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، في استحقاق قد يغيّر موازين القوى في واشنطن ويمنح الديمقراطيين أدوات أوسع لتعطيل تعيينات الرئيس والتحقيق في أداء إدارته.
وقالت صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير نشرته في 11 أكتوبر/تشرين الأول إن الجمهوريين، الذين يستعدون منذ أشهر لاحتمال خسارة مجلس النواب، باتوا يواجهون أيضا احتمال فقدان مجلس الشيوخ، بما قد يمنح الديمقراطيين السيطرة على غرفتي الكونغرس خلال ما تبقى من ولاية ترامب.
ويحتفظ الجمهوريون حاليا بأغلبية تبلغ 53 مقعدا في مجلس الشيوخ، مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم. ويحتاج الديمقراطيون إلى انتزاع أربعة مقاعد صافية لاستعادة الأغلبية، في مهمة لا تزال صعبة نظرا إلى طبيعة الخريطة الانتخابية ووجود عدد من المقاعد المتنافس عليها في ولايات صوتت لصالح ترامب في انتخابات 2024.
لكن استطلاعات الرأي أظهرت منافسة ديمقراطية في عدد من الولايات التي يشغل الجمهوريون مقاعدها، ما أعاد احتمال تغيير الأغلبية إلى صلب الحسابات السياسية قبل أسابيع من التصويت.
وتكتسب المعركة أهمية تتجاوز عدد المقاعد، إذ يمنح مجلس الشيوخ الحزب المسيطر عليه سلطة المصادقة على مرشحي الرئيس للمناصب الحكومية والقضائية، فضلا عن نفوذه في تحديد أولويات اللجان وإجراء التحقيقات الرقابية.
معركة على القضاء
ويتمثل أحد أبرز مصادر القلق الجمهوري في احتمال أن يستخدم الديمقراطيون الأغلبية لتعطيل مرشحي ترامب للمحاكم الفيدرالية، ولا سيما المحكمة العليا، إذا شغر أحد مقاعدها خلال العامين المقبلين.
ويستحضر هذا السيناريو سابقة عام 2016، عندما رفض الجمهوريون، بقيادة ميتش ماكونيل، إجراء تصويت على مرشح الرئيس الديمقراطي باراك أوباما للمحكمة العليا ميريك غارلاند، تاركين المقعد شاغرا لأكثر من عام، قبل أن يصادق المجلس لاحقا على مرشح ترامب نيل غورساتش.
وقال ديمقراطيون إنهم قد يستندون إلى هذه السابقة في التعامل مع الترشيحات القضائية إذا استعادوا الأغلبية. ونقل التقرير عن زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر تعهده بمنع وصول قضاة يصفهم الديمقراطيون بأنهم قريبون من حركة “ماغا” إلى المحاكم العليا والفيدرالية.
وفي المقابل، حذر جمهوريون من أن انتقال المجلس إلى الديمقراطيين قد يعني بقاء أي مقعد شاغر في المحكمة العليا من دون تعيين جديد حتى نهاية ولاية ترامب. وأثار بعضهم احتمال تقاعد القاضي المحافظ صمويل أليتو العام المقبل، لكن هذا السيناريو يظل افتراضيا ولا يعني أن شغورا سيحدث بالفعل.
ولا تقتصر أهمية التعيينات على المحكمة العليا، إذ يستطيع مجلس الشيوخ أيضا تأخير أو رفض ترشيحات وزارية ومسؤولين في الإدارة، ما قد يترك مناصب شاغرة ويعقّد تنفيذ بعض سياسات البيت الأبيض.
تحقيقات أوسع في إدارة ترامب
ومن شأن استعادة الديمقراطيين الأغلبية أن تمنحهم نفوذا أكبر في عمل اللجان الرقابية، بما يشمل استدعاء المسؤولين وطلب الوثائق والتحقيق في قرارات الإدارة التنفيذية، فضلا عن ملفات تتعلق بترامب وأفراد من عائلته.
لكن فتح التحقيقات لا يعني ثبوت مخالفات، كما أن فرض عقوبات أو تغيير السياسات قد يتطلب إجراءات تشريعية أو قضائية مستقلة. كذلك تختلف أدوات الرقابة المتاحة لمجلس الشيوخ عن تلك التي يمتلكها مجلس النواب، ما يجعل نطاق المواجهة مرتبطا أيضا بنتيجة انتخابات المجلس الآخر.
وإذا سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس، فسيكون بوسعهم محاولة تمرير تشريعات تعكس أولوياتهم، أو تعديل بعض السياسات التي أقرها الجمهوريون، بما في ذلك تدابير تتعلق بتكاليف المعيشة وبرامج المساعدات الاجتماعية.
غير أن هذه الإمكانية تصطدم بعقبات دستورية وإجرائية. فترامب سيظل رئيسا وسيحتفظ بحق النقض الرئاسي، ولا يمكن تجاوز هذا الفيتو إلا بأغلبية الثلثين في كل من مجلسي الكونغرس.
كما أن معظم التشريعات في مجلس الشيوخ تحتاج عادة إلى 60 صوتا لإنهاء النقاش والمضي إلى التصويت النهائي، بسبب قاعدة المماطلة البرلمانية المعروفة باسم “الفيلبستر”. وقد يتيح إجراء المصالحة المرتبط بالميزانية تمرير بعض التدابير المالية بأغلبية بسيطة، لكنه يخضع لشروط إجرائية ولا يشمل كل أنواع التشريعات.
وأشار تقرير “واشنطن بوست” إلى أن السيناتور الديمقراطي تيم كين بدأ مناقشات مع زملائه بشأن استخدام هذه الآلية لطرح تدابير مرتبطة بالقدرة الشرائية وتكاليف المعيشة، بما في ذلك تعديلات على بعض التخفيضات التي أقرها الجمهوريون في برامج “ميديكيد” والمساعدات الغذائية.
وفي المقابل، حذر زعيم الأغلبية الجمهورية جون ثون من أن فوز الديمقراطيين قد يفتح الباب أمام زيادات ضريبية وأجندة يصفها الجمهوريون بالاشتراكية. كما توقع السيناتور الجمهوري جوش هاولي حالة من الجمود التشريعي، مع احتمال تعثر المصادقة على المسؤولين والقضاة وعدم إقرار الميزانية، بما قد يرفع خطر الإغلاق الحكومي.
ومع ذلك، لا تعني السيطرة الديمقراطية بالضرورة توقف عمل المؤسسات، إذ شهدت فترات سابقة من الانقسام الحزبي مصادقة مجلس الشيوخ على بعض الترشيحات الحكومية والقضائية، رغم استمرار الخلافات بشأن مناصب أخرى.
سباقات حاسمة في ولايات متنافس عليها
وتتوقف حسابات الأغلبية على مجموعة من السباقات التي قد تنتزع فيها الأحزاب مقاعد من بعضها البعض. وفي تحليل منفصل نشرته “واشنطن بوست” في 28 سبتمبر/أيلول، حددت الصحيفة تسعة مقاعد اعتبرتها من أبرز المقاعد المعرضة لتغيير الحزب في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.
وتبرز كارولاينا الشمالية باعتبارها فرصة للديمقراطيين، بعد قرار السيناتور الجمهوري توم تيليس عدم الترشح مجددا. ويخوض الحاكم السابق روي كوبر السباق في مواجهة مايكل واتلي، المسؤول الجمهوري السابق.
وفي أوهايو، يسعى السيناتور الديمقراطي السابق شيرود براون إلى استعادة مقعده في مواجهة الجمهوري جون هستد، وسط نقاشات بشأن تكاليف الأسمدة والطاقة والتعريفات الجمركية وتأثير مراكز البيانات على أسعار الكهرباء.
أما في ولاية مين، فيواجه الجمهوريون تحديا في الدفاع عن مقعد السيناتورة سوزان كولينز، في وقت يراهن الديمقراطيون على تراجع شعبيتها لدى بعض الناخبين، رغم صعوبات واجهت اختيار مرشحهم وإعداد حملته.
وتشمل السباقات الأخرى ألاسكا، حيث يخوض الديمقراطيون المنافسة بمرشحتهم ماري بيلتولا ضد السيناتور الجمهوري دان سوليفان، وأيوا التي تتأثر فيها الحملة بقضايا الزراعة والطاقة والأسعار، وتكساس التي يترشح فيها الديمقراطي جيمس تالاريكو في مواجهة الجمهوري كين باكستون.
وفي المقابل، يواجه الديمقراطيون مخاطر خسارة مقاعد في ميشيغان وجورجيا ونيوهامبشر. ويؤكد هذا التوزيع أن المعركة لا تتعلق فقط بانتزاع مقاعد من الجمهوريين، بل أيضا بالحفاظ على المقاعد الديمقراطية التي يمكن أن تنتقل إلى الحزب المنافس.
الاقتصاد والسياسة الخارجية في حسابات الناخبين
وتجري الانتخابات في ظل ضغوط تتعلق بتكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، وهي قضايا يمكن أن تؤثر في تقييم الناخبين لأداء الإدارة. وقد ربطت تحليلات صحفية بين هذه المخاوف وبين اتساع المنافسة في بعض الولايات التي فاز بها ترامب في انتخابات 2024.
كما دخلت السياسة الخارجية في النقاش الانتخابي، ولا سيما بعد إعلان ترامب عن اتفاق لاستيراد الديزل الروسي بهدف خفض أسعار الوقود، وهي خطوة أثارت اعتراضات من أعضاء جمهوريين وديمقراطيين في مجلس الشيوخ، قالوا إنها تتعارض مع القيود الأميركية على واردات الطاقة الروسية.
ودعا سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ، بينهم أربعة جمهوريين وثلاثة ديمقراطيين، ترامب إلى التراجع عن الاتفاق، معتبرين أنه قد يوفر دعما ماليا لموسكو في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا. ودافع وزير الخزانة سكوت بيسنت عن القرار، قائلا إنه قانوني ويصب في مصلحة الأميركيين.
كما أعلن ترامب عن “هدنة للطاقة” بين روسيا وأوكرانيا لم يؤكدها الكرملين، فيما قالت كييف إنها تنتظر تفاصيل إضافية، وسط استمرار الضربات الروسية. وأظهرت هذه الخلافات أن قرارات السياسة الخارجية قد تتحول بدورها إلى مادة للجدل داخل الحزب الجمهوري، لا بين الجمهوريين والديمقراطيين فحسب.
اختبار لمرحلة ما بعد ترامب
ولا تقتصر تداعيات انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني على العامين الأخيرين من ولاية الرئيس، إذ قد تؤثر نتائجها في توازن القوى داخل الحزبين واستعداداتهما للانتخابات الرئاسية لعام 2028.
فبالنسبة إلى الديمقراطيين، قد تمنحهم السيطرة على الكونغرس فرصة لإثبات قدرتهم على تقديم سياسات بديلة، بدلا من الاكتفاء بمعارضة ترامب والتحقيق في إدارته. أما الجمهوريون، فسيواجهون تحدي الحفاظ على دعم قاعدة الرئيس الانتخابية مع التعامل مع مخاوف الناخبين بشأن الأسعار والاقتصاد وبعض القرارات الخارجية.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار نتائج الانتخابات النصفية مؤشرا حاسما على نتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة، إذ قد تتغير الحسابات خلال العامين المقبلين بفعل التطورات الاقتصادية والدولية والمرشحين الذين سيخوضون السباق.
ويخلص تقرير “واشنطن بوست” إلى أن خسارة الجمهوريين مجلس الشيوخ قد تضيق هامش المناورة أمام ترامب، وتمنح الديمقراطيين أدوات أقوى لتعطيل التعيينات وتوسيع الرقابة البرلمانية.
لكن الحديث عن شلل سياسي كامل يبقى احتمالا مرتبطا بنتائج الانتخابات وطبيعة المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، فضلا عن قدرة الطرفين على التوصل إلى تسويات في الملفات التي تتقاطع فيها مصالحهما.

التعليقات