التخطي إلى المحتوى

بغداد – أثار مقترح دفع رواتب الموظفين في العراق بالدولار جدلا واسعا، في وقت يواجه فيه العراقيون تداعيات تذبذب قيمة الدينار واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وما يرافق ذلك من انعكاسات على أسعار السلع والخدمات والقدرة الشرائية.

ونقلت وكالة ”بغداد اليوم” عن الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، الجمعة، قوله إن اعتماد الدولار في دفع الرواتب قد يستنزف الاحتياطيات الأجنبية ويحد من قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية، معتبرا أن الاحتياطيات، المقدرة بنحو 76 مليار دولار، ليست أموالا متاحة لوزارة المالية لتمويل النفقات الجارية، بل أصول يديرها المصرف لدعم استقرار الأسعار وسعر الصرف وتمويل الاستيرادات والمدفوعات الخارجية.

وأوضح المرسومي أن دفع الرواتب بالدولار، إلى جانب تمويل الاستيرادات، قد يتطلب نحو 10 مليارات دولار شهريا، بما قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات خلال ثمانية أشهر، فضلا عن تقليص قدرة البنك المركزي على التحكم في عرض النقود والتدخل لضبط سوق الصرف.

ويأتي هذا الجدل في سياق أزمة نقدية ومعيشية ترتبط فيها قيمة الدينار بكلفة الاستيراد وحركة الطلب على الدولار، إذ يعتمد العراق بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجات السوق المحلية، ما يجعل أي اضطراب في سوق العملة عاملا مؤثرا في الأسعار وتكاليف المعيشة.

ولا يقتصر أثر تراجع القوة الشرائية على السلع المستوردة مباشرة، بل يمتد إلى قطاعات أخرى تتأثر بكلفة النقل والإنتاج والتوزيع، وهو ما يضع أصحاب الدخول الثابتة، وفي مقدمتهم الموظفون والمتقاعدون، أمام تحدي مواكبة النفقات اليومية إذا ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع من دخولهم.

وفي هذا السياق، ينظر بعض المطالبين بصرف الرواتب بالدولار إلى المقترح باعتباره وسيلة لحماية الدخول من تقلبات سعر الصرف، غير أن تطبيقه لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار أو تحسن القدرة الشرائية، خصوصا إذا بقيت الاختلالات التي تضغط على سوق العملة قائمة.

ويحذر المرسومي من أن تغيير عملة الرواتب لن يضمن تراجع الطلب على الدولار في السوق، في ظل استمرار المضاربة، وقد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، بدلا من معالجة أسبابها.

كما أن تلبية الطلب الإضافي على الدولار قد تفرض ضغوطا على الاحتياطيات وتحد من قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة والاستجابة للاختلالات النقدية.

وتطرح القضية معادلة اقتصادية معقدة بين الرغبة في حماية دخول الموظفين والحفاظ على استقرار النظام النقدي، إذ يرى المرسومي أن الاحتياطيات الأجنبية تقاس بقدرتها على تغطية الاستيرادات والالتزامات الخارجية، لا بعدد الأشهر التي تستطيع خلالها تمويل الرواتب.

ويشير أيضا إلى تداعيات فنية ومؤسسية محتملة، تشمل ارتفاع تكاليف تحويل الحسابات والأسعار إلى الدولار، وفقدان جزء من عوائد الإصدار النقدي، وتقليص قدرة البنك المركزي على أداء دور المقرض الأخير للمصارف.

وبذلك، يتجاوز الجدل مسألة تحديد العملة التي يتقاضى بها الموظف راتبه، ليطرح تساؤلات بشأن الأدوات المتاحة لحماية القدرة الشرائية ومعالجة اختلالات سوق الصرف.

ولا يتعلق التحدي لبتوفير الدولار للرواتب فحسب، بل بقدرة السياسات المالية والنقدية على الحد من المضاربة، وضمان تدفق العملة الأجنبية لتمويل التجارة، وتعزيز الثقة بالدينار، بما يخفف الضغوط على الأسر من دون تعريض الاستقرار النقدي لمخاطر إضافية.

التعليقات

اترك تعليقاً