بغداد – تتجه التفاهمات السياسية في العراق نحو بحث استحداث وزارات جديدة وفصل وزارة الثقافة والسياحة إلى وزارتين مستقلتين، بالتزامن مع بدء تطبيق السعر الرسمي الجديد للدولار، في مفارقة تثير تساؤلات بشأن أولويات تشكيل الحكومة ومدى انسجام التوسع في الجهاز التنفيذي مع ضغوط المالية العامة والعجز المتزايد في الموازنة.
وكشف النائب السابق أمير المعموري الجمعة، عن تحركات لاستحداث وزارتين، إحداهما للذكاء الاصطناعي أو الاستثمارات الرقمية، إلى جانب فصل الثقافة عن السياحة، معتبراً أن توزيع الحقائب المقترحة قد يرتبط برغبة الكتل السياسية في إرضاء أطرافها، ومتسائلاً عن جدوى هذه التوجهات في ظل الحديث عن أزمة مالية.
وتتزامن هذه المقترحات مع بدء تطبيق سعر صرف يبلغ 1520 ديناراً للدولار للمستفيد النهائي، اعتباراً من الأربعاء، بدلاً من 1320 ديناراً سابقاً، وسط مخاوف من انعكاس ارتفاع كلفة العملة الأجنبية على أسعار السلع والخدمات والقدرة الشرائية للمواطنين.
ولا تقتصر المطالب باستحداث وزارات على التفاهمات المتعلقة بتوزيع الحقائب، فقد كشف مصدر مطلع، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أن أحد الفصائل المسلحة التي تتفاوض معها اللجنة الرباعية المعنية بحصر السلاح بيد الدولة طالب بوزارة جديدة تساند الوزارات الأمنية. كما أشار النائب مختار الموسوي، في يونيو/حزيران الماضي، إلى أن مقترحي استحداث وزارتي السياحة والحوكمة لا يزالان قيد الدراسة.
وتطرح هذه التحركات سؤالاً بشأن قدرة الحكومة على التوفيق بين استكمال تشكيلتها الوزارية والاستجابة لمتطلبات الإصلاح المالي والإداري، خصوصاً أن توسيع عدد الوزارات قد يتحول إلى التزام مالي طويل الأمد، لا يقتصر على استحداث منصب أو توزيع حقيبة، بل يشمل بناء هياكل إدارية وتمويل نفقاتها بصورة مستمرة.
عجز مالي يضغط على خيارات الحكومة
وتبرز حساسية التوقيت في ضوء بيانات وزارة المالية العراقية لتنفيذ الموازنة الاتحادية حتى نهاية يوليو/تموز 2026، التي أظهرت إيرادات بنحو 39.096 تريليون دينار، مقابل مصروفات بلغت 65.424 تريليون دينار، بعجز يناهز 26.329 تريليون دينار.
وتكشف البيانات أيضاً استمرار اعتماد المالية العامة على النفط، الذي وفر نحو 30.356 تريليون دينار، أي قرابة 78 في المئة من إجمالي الإيرادات، مقابل 8.740 تريليون دينار من الإيرادات غير النفطية.
ويرى وزير التخطيط الأسبق نوري الدليمي أن الأولوية لا ينبغي أن تكون إنشاء وزارات جديدة، بل إعادة هيكلة المؤسسات القائمة ومعالجة الاختلالات الإدارية. ويحذر من أن التوسع المؤسسي قد يكرس البطالة المقنعة ويزيد الإنفاق التشغيلي، خصوصاً عندما تغيب المهام المحددة ومؤشرات الأداء القابلة للقياس.
ويشير الدليمي إلى تجربة تقليص المناصب الحكومية عام 2015، في عهد حكومة حيدر العبادي، بوصفها مثالاً على الاستجابة لمطالب إصلاح الترهل الإداري. ويؤكد أن كلفة الوزارة تشمل رواتب المسؤولين والمستشارين والموظفين، فضلاً عن المكاتب والمقار والحمايات والموازنات التشغيلية.
التحول الرقمي بين الحاجة والمحاصصة
ولا تخلو بعض المقترحات من مبررات إدارية، ولا سيما إنشاء وزارة للحوكمة الإلكترونية أو الذكاء الاصطناعي. ويرى النائب السابق حسين عرب أن مؤسسة متخصصة قد تساعد في معالجة ضعف الربط الإلكتروني بين الوزارات وتطوير الخدمات الحكومية، شرط الاستفادة من الخبرات والموظفين الموجودين بدلاً من إنشاء جهاز إداري جديد بالكامل.
ويضع هذا الطرح النقاش أمام تمييز أساسي بين الحاجة الفعلية إلى تطوير الإدارة وبين توظيف العناوين الحديثة لتوسيع التشكيلة الحكومية، فاعتماد الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية لا يتطلب بالضرورة وزارة مستقلة، إذا أمكن تحقيق الأهداف من خلال إعادة توزيع الصلاحيات وتنسيق عمل المؤسسات القائمة.
أما النائب السابق محما خليل، فيربط التوسع المحتمل في عدد الوزارات برغبة بعض الكتل في المشاركة بالحكومة، محذراً من أن التفاهمات المتعلقة بتوزيع الحقائب قد ترفع النفقات وتزيد الضغط على الموازنة، لكنه يدعو أيضاً إلى مراعاة تمثيل المكونات العراقية في مؤسسات الدولة، بما يعزز مشاركتها السياسية والإدارية.
بدوره، يدعو المحلل السياسي مجاشع التميمي إلى تقليص الترهل وإعادة هيكلة المؤسسات وترشيد الإنفاق، محذراً من إضافة رواتب ومخصصات ومقار ونفقات إدارية من دون ضمان نتائج ملموسة.
تفاهمات التشكيل واختبار الأولويات
وتكتسب هذه النقاشات أهمية إضافية مع استمرار استكمال التشكيلة الحكومية، فالحكومة تتألف من 23 حقيبة، نال 14 وزيراً الثقة منذ مايو/أيار الماضي، فيما لا تزال تسع حقائب شاغرة، بينها الدفاع والداخلية والتخطيط، بينما تتواصل الخلافات بشأن مرشحي عدد من الوزارات، وسط ترقب استكمال التصويت البرلماني.
وتكشف هذه الصورة عن مفارقة سياسية ومالية: فبينما يحتاج العراق إلى حسم الحقائب الشاغرة وتحسين أداء المؤسسات، تظهر مقترحات لتوسيع الهيكل الحكومي قبل حسم كلفتها وجدواها. وفي وقت يواجه فيه المواطن احتمال ارتفاع أسعار السلع نتيجة تعديل سعر الصرف، تصبح كفاءة الإنفاق العام معياراً أساسياً للحكم على أولويات السلطة.
ولا يعني ذلك أن كل وزارة جديدة عبء غير مبرر، إذ قد تفرض بعض الملفات، ومنها التحول الرقمي، ترتيبات مؤسسية أكثر فاعلية، لكن الاختبار يكمن في إثبات الحاجة إليها، وتحديد صلاحياتها ومصادر تمويلها ومؤشرات نجاحها، بعيداً عن تقاسم النفوذ.
ولا تتوقف المسألة عند عدد الوزارات، بل عند ما إذا كانت التفاهمات السياسية ستوجه موارد الدولة نحو إصلاح الإدارة وتنويع الإيرادات وتحسين الخدمات، أم ستضيف التزامات تشغيلية جديدة إلى موازنة تعاني بالفعل فجوة واسعة بين الإيرادات والنفقات.

التعليقات