التخطي إلى المحتوى

لندن – تطرح إعادة انتشار القاذفات الأميركية من بريطانيا وإجلاء عسكريين من قواعد في الشرق الأوسط اسئلة كثيرة حول ميزان القوى في الحرب على إيران: فبينما تؤكد واشنطن أنها أضعفت القدرات العسكرية والاقتصادية لطهران، يبدو ان تهديدات غير التقليدية تجبرها على تقليص وجودها في مواقع كانت لعقود رموزاً للتفوق العسكري الأميركي، مع ما يترتب على ذلك من أعباء عملياتية ولوجستية متزايدة.

وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن رغم محاولة تصوير قرار الولايات المتحدة سحب قاذفاتها الـ12 من طراز “بي-1” من قاعدة فيرفورد البريطانية على انه اعادة تمركز روتينية، فانه في الواقع جاء بعد معلومات استخبارية وصفت بأنها “محددة وموثوقة” بشأن مخطط محتمل لشن هجوم بمسيّرات من محيط القاعدة يستهدف الطائرات والعسكريين الأميركيين.

وتشير الصحيفة إلى أن أجهزة استخبارات أميركية وغربية بدأت تحذر منذ منتصف سبتمبر/أيلول من احتمال استهداف فيرفورد، قبل أن يرتفع مستوى القلق بصورة حادة خلال الأيام الأخيرة. كما أبلغت إسرائيل ألمانيا بمخاطر متزايدة على قواعد أميركية في أوروبا، بينها رامشتاين وشبانداليم.

وتكتسب فيرفورد أهمية خاصة بالنسبة إلى واشنطن، فهي قاعدة رئيسية لانتشار القاذفات الأميركية في أوروبا، واستُخدمت في سياق العمليات العسكرية ضد إيران. وكانت القاذفات الـ12 قد وصلت إليها ضمن انتشار عسكري قبل أن تتخذ واشنطن قراراً سريعاً بسحبها.

ولم تقتصر سرعة التحرك على إصدار أمر بالمغادرة، إذ أفادت نيويورك تايمز بأن بعض القاذفات غادرت القاعدة بينما كانت طائرات التزود بالوقود في الجو أو يجري تجهيزها لدعم رحلة العودة إلى الولايات المتحدة، في مؤشر على أن القرار اتخذ على أساس تقدير أمني عاجل.

ويعتقد مسؤولون أميركيون أن المخطط المحتمل كان يستلهم، بصورة جزئية، الهجوم الأوكراني على قواعد جوية روسية في يونيو/حزيران 2025، حين أخفيت مسيّرات داخل شاحنات ونقلت إلى مواقع قريبة من أهداف عسكرية قبل إطلاقها. وأصاب الهجوم عدداً من الطائرات الروسية، بينها قاذفات استراتيجية.

ويكمن الخطر في أن هذا النوع من العمليات يتجاوز جزءاً من منظومة الدفاع التقليدية للقواعد الجوية. فبدلا من إطلاق صاروخ من مسافة بعيدة، يمكن إدخال مسيّرات صغيرة إلى محيط القاعدة ثم استخدامها ضد طائرات متوقفة على الأرض، ما يجعل حماية المنشآت العسكرية أكثر تعقيداً حتى بالنسبة إلى القوى التي تمتلك أنظمة دفاع متقدمة.

وتزامنت هذه المعلومات مع حادث أمني قرب فيرفورد في 27 سبتمبر/أيلول، عندما أبلغت امرأة الشرطة بوجود ثلاث شاحنات بيضاء وأشخاص ملثمين في المنطقة المحيطة بالقاعدة. وأوقفت الشرطة خمسة رجال، قبل أن تمتد التحقيقات إلى مشتبه بهم آخرين، بينهم بريطاني من أصول إيرانية.

وأُخلي نحو 85 منزلا في المنطقة خلال فحص الشاحنات، واستخدم خبراء المتفجرات روبوتاً لفحصها. ولم تعثر السلطات على متفجرات أو مسيّرات، بل أشارت تقارير إلى وجود عبوات وقود، وأُفرج عن عدد من الموقوفين لاحقاً بكفالة. ولم تعلن الشرطة البريطانية دليلاً علنياً يثبت أن هؤلاء الأشخاص كانوا جزءاً من مخطط الهجوم على القاعدة.

وتتحدث مصادر بريطانية وأميركية عن مؤشرات على صلة إيرانية محتملة، لكن طهران نفت الاتهامات، ولم تعلن لندن دليلاً يثبت أن السلطات الإيرانية أعطت أوامر مباشرة لتنفيذ عملية ضد فيرفورد.

وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أوردته رويترز وواشنطن بوست وول ستريت جورنال بشأن التهديد الذي دفع واشنطن إلى نقل القاذفات. لكن بعض التفاصيل المتعلقة بمخطط متعدد المراحل، أو احتمال استخدام مركبة محملة بالمتفجرات إلى جانب المسيّرات، ظلت منسوبة إلى مسؤولين مطلعين ولم تؤكدها السلطات البريطانية علناً.

وفي واشنطن، بدت الرواية الرسمية في البداية أقل وضوحاً. فقد قُدم تحريك القاذفات على أنه جزء من عملية انتشار اعتيادية، قبل أن يقر الرئيس دونالد ترمب بوجود تهديدات وراء القرار، فيما قال نائب الرئيس جيه دي فانس إن نقل الطائرات جاء بدافع الحذر وحماية العسكريين الأميركيين.

لكن نيويورك تايمز تضع عملية الإخلاء في سياق أوسع، وترى فيها حلقة من سلسلة عمليات إعادة انتشار اضطرت إليها واشنطن منذ بدء الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط. فالقوات الأميركية لم تعد تتحرك في المنطقة وفق معادلة الانتشار السابقة، بعدما تعرضت قواعد في الشرق الأوسط لهجمات وأضرار، وأُجلي أفراد منها، فيما أصبح قرار إعادة بناء بعض المنشآت موضع تردد داخل وزارة الدفاع الأميركية.

ولا تتوقف التداعيات عند القواعد الجوية. فقد أصبحت حرية الملاحة الأميركية في مضيق هرمز وأجزاء من البحر الأحمر أكثر تعقيداً، وهو أمر يمس أحد المبررات الرئيسية للوجود العسكري الأميركي في المنطقة طوال عقود.

كما أن سحب القاذفات من فيرفورد يفرض كلفة عملياتية واضحة. فعند الحاجة إلى تنفيذ ضربات جديدة، ستضطر القاذفات إلى قطع مسافات أطول انطلاقاً من الأراضي الأميركية، مع زيادة الحاجة إلى طائرات التزود بالوقود جواً. أما مجموعات حاملات الطائرات المنتشرة في بحر العرب، فتعتمد بدرجة أكبر على خطوط الإمداد الممتدة من قاعدة دييغو غارسيا، الواقعة على مسافة تقارب 2200 ميل من الخليج، بما يعنيه ذلك من مسافات أطول ووقت وتكاليف إضافية.

وتكشف هذه التطورات أن التفوق التقليدي في الطائرات والسفن والصواريخ لا يضمن بالضرورة حرية الحركة. فقد استخدمت إيران، رغم خسارتها أجزاء كبيرة من قدراتها الجوية والبحرية وتعرض قيادتها العليا لضربات، أدوات أقل كلفة وأكثر صعوبة في الاحتواء، بينها المسيّرات والهجمات السيبرانية والعمليات غير المباشرة والضغط على الملاحة.

وبحسب واشنطن بوست، تعرضت أكثر من عشر سفن لهجمات خلال أسبوع في مضيق هرمز، فيما استُخدمت المسيّرات ضد قواعد أميركية، واستعان الحوثيون لاستهداف مواقع في السعودية. ويشير خبراء إلى أن هذه الأدوات مكّنت طهران من تحقيق مكاسب تكتيكية ورمزية رغم الاختلال الكبير في ميزان القوة التقليدية.

وتكمن أهمية ذلك في طبيعة الحرب نفسها. فالدولة التي تخسر طائراتها وسفنها وقواعدها لا تفقد بالضرورة القدرة على إلحاق الضرر بخصم أقوى منها إذا استطاعت استهداف نقاط ضعفه: القواعد الثابتة، سلاسل الإمداد، الملاحة، الاتصالات والبنية التحتية العسكرية.

ومن هذه الزاوية، يمثل ما حدث في فيرفورد أكثر من مجرد نقل 12 قاذفة.

فالقاعدة البريطانية ارتبطت بالتعاون العسكري الأميركي البريطاني منذ الحرب العالمية الثانية، وظلت لعقود موقعاً آمناً لانتشار القوة الجوية الأميركية في أوروبا. لكن مجرد اضطرار واشنطن إلى إخراج قاذفاتها منها بسبب تهديد محتمل لمسيّرات يوضح كيف يمكن لوسائل منخفضة الكلفة نسبياً أن تفرض على قوة عظمى إعادة حساب انتشارها.

كما أن عدم العثور على مسيّرات أو متفجرات في الشاحنات التي أثارت الشبهات قرب القاعدة يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: هل كانت تلك التحركات مرتبطة فعلاً بالمخطط الذي رصدته أجهزة الاستخبارات، أم أن التهديد الاستخباري كان منفصلاً عن الأشخاص الذين أوقفوا في المنطقة؟

وتتجاوز دلالة القرار بريطانيا وإيران معاً. فإذا أصبحت القواعد الأميركية في أوروبا والشرق الأوسط عرضة لهجمات يمكن تنفيذها بمسيّرات صغيرة تطلق من داخل الدول المضيفة، فإن حماية هذه المنشآت ستتطلب مزيداً من أنظمة مكافحة المسيّرات والتحصينات وتغيير طريقة تمركز الطائرات، وربما توزيع القوات على عدد أكبر من المواقع بدلاً من تجميعها في قواعد رئيسية.

وهذا يفرض بدوره ثمناً استراتيجياً. فكلما ابتعدت القاذفات وحاملات الطائرات عن مناطق العمليات، زادت المسافات التي يتعين قطعها، والحاجة إلى التزود بالوقود والحماية والإمداد، وارتفعت كلفة إبقاء القوة العسكرية قادرة على الرد السريع.

وتبرز هنا المفارقة السياسية للحرب. فقد قدم ترمب العملية العسكرية ضد إيران باعتبارها استعراضا للقوة وإثباتا لقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها، فيما تظهر التطورات اللاحقة أن التفوق العسكري الأميركي لم يمنح واشنطن حرية حركة مطلقة.

وبينما تملك الولايات المتحدة قدرة هائلة على ضرب أهداف بعيدة، تستطيع إيران، حتى بعد تعرضها لخسائر عسكرية ضخمة، استخدام وسائل غير تقليدية لجعل وجود القوات الأميركية أكثر تكلفة وأقل أمناً.

ولا يعني ذلك أن ميزان القوة انقلب لصالح طهران؛ فالفارق في القدرات العسكرية لا يزال هائلاً. لكن الحرب كشفت أن تحقيق التفوق في ساحة المعركة لا يساوي بالضرورة القدرة على الحفاظ على انتشار عسكري واسع بأمان وكلفة مقبولة.

التعليقات

اترك تعليقاً