التخطي إلى المحتوى

ليست المشكلة الأصعب التي تواجهها الدول في زمن الحرب أن تجد طريقًا إلى وقف إطلاق النار، بل أن تكتشف، بعد توقف المدافع، أن الطريق الذي قادها إلى المواجهة قد غيّر العالم من حولها إلى درجة تجعل العودة إلى ما كان عليه أمرًا بالغ الصعوبة.

وإيران، في هذه المرحلة، تبدو أمام مفارقة من هذا النوع، فمن جهة، تلوح نافذة دبلوماسية قد تتيح لموسكو أداء دور الوسيط بين واشنطن وطهران. ومن جهة أخرى، تتوالى مؤشرات التصعيد الإقليمي، بما فيها هجمات الحوثيين على منشآت مدنية في السعودية، لتثير سؤالًا جوهريًا: هل تتحرك طهران نحو تسوية تحفظ ما يمكن إنقاذه، أم أنها تراهن على رفع كلفة الحرب إلى الحد الذي يدفع خصومها إلى التراجع؟

موسكو… وسيط أم قناة لنقل الرسائل؟

اكتسب الدور الروسي المحتمل أهمية إضافية بعد الاتصال الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإلى جانب الحديث عن إمدادات الديزل الروسي وسُبل إنهاء الحرب في أوكرانيا، نقل بوتين، وفق ما أعلنته موسكو، موقف الجانب الإيراني من تسوية محتملة للنزاع مع الولايات المتحدة.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها: ففي الوقت الذي تتجه فيه واشنطن وموسكو إلى تفاهم عملي بشأن إمدادات الطاقة، ولو في نطاق محدد، قد تجد العاصمتان نفسيهما أمام فرصة لاختبار إمكان التفاهم على ملف أشد تعقيدًا، هو الحرب مع إيران.

لكن الاتفاق على الديزل لا يعني بالضرورة وجود صفقة سياسية أوسع، كما أن نقل الموقف الإيراني لا يساوي التوصل إلى اتفاق، فنجاح الوساطة يحتاج إلى أكثر من قناة اتصال مفتوحة؛ يحتاج إلى استعداد الأطراف لتحديد ما يمكن التفاوض عليه، وما الذي تستطيع كل جهة تقديمه، وما الضمانات التي يمكن أن تجعل أي تفاهم قابلًا للاستمرار.

“الثور الجريح”… حين يتحول التصعيد إلى مخاطرة

في المقابل، يثير تصاعد الهجمات على المنشآت السعودية سؤالًا عن الحسابات الإقليمية التي تحكم المرحلة، فقد شهد مطار الملك خالد في الرياض هجمات متتالية، وأفادت تقارير في 11 أكتوبر/تشرين الأول بوقوع هجوم جديد بعد هجوم سابق أوقع قتلى ومئات المصابين، فيما أعلنت جماعة الحوثيين مسؤوليتها عن بعض الضربات الأخرى التي استهدفت منشآت سعودية.

وقد يبدو المشهد، للوهلة الأولى، كأن إيران تتصرف بأسلوب “الثور الجريح”: كلما ضاقت الخيارات أمامها، ازدادت الحاجة إلى إظهار قدرتها على إيلام خصومها عبر ساحات متعددة. لكن هذا الوصف، مهما كان جذابًا من الناحية السياسية، لا يكفي وحده لتفسير ما يحدث.

الأدق هو النظر إلى النتائج المحتملة، فالهجمات التي تطال المطارات والمنشآت المدنية لا ترفع الكلفة الأمنية فحسب، بل قد توسّع دائرة الأطراف المعنية بالحرب، وتمنح الحكومات المستهدفة مبررات إضافية لتشديد ردودها. وإذا كان الهدف من التصعيد تحسين شروط التفاوض، فإن تجاوز حدود معينة قد يقود إلى نتيجة معاكسة: تقليص مساحة التسوية، وتعزيز مواقف الداعين إلى مواصلة المواجهة.

طهران… ما الذي يمكن استعادته؟

في بداية الحرب قبل قرابة الثمانية أشهر، كان السؤال الأساسي هو ما إذا كانت إيران قادرة على استرجاع الأمس بعد أن تغيّرت البيئة الإقليمية المحيطة بها. واليوم، يبدو أن السؤال أصبح أكثر إلحاحًا: هل تستطيع طهران الحفاظ على ما تبقى من خياراتها قبل أن تتحول الحرب إلى مسار يصعب التحكم في نهايته؟

النفوذ الإقليمي ليس مخزونًا ثابتًا يمكن استعادته بمجرد إعادة بناء القدرات العسكرية. إنه شبكة من العلاقات والالتزامات والحسابات المتبادلة، تتأثر بقرارات الحلفاء، وبردود أفعال الخصوم، وبمدى استعداد الدول المجاورة لتحمّل استمرار المواجهة.

كما أن امتلاك القدرة على التصعيد لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم في نتائجه، فقد تستطيع دولة أو جماعة مسلحة توسيع نطاق التهديد، لكنها لا تستطيع ضمان أن الطرف المقابل سيستجيب بالطريقة التي تتوقعها. وهذه إحدى المعضلات التي تجعل استخدام الحلفاء الإقليميين أدوات للضغط خيارًا محفوفًا بالمخاطر.

هل تستطيع الدبلوماسية اللحاق بالحرب؟

لا يمكن استبعاد فرصة الوساطة الروسية، لكن لا يصح أيضًا التعامل معها باعتبارها مخرجًا مضمونًا، فالمفاوضات المحتملة ستصطدم بأسئلة جوهرية تتعلق بوقف الهجمات، والضمانات الأمنية، وشروط إنهاء الحرب، ومستقبل الترتيبات الإقليمية. وكلما اتسعت دائرة الاستهداف، أصبح جمع هذه الملفات في تسوية واحدة أكثر تعقيدًا.

ومن هنا، قد تكون قيمة التحرك الروسي الأولى أنه يفتح قناة يمكن اختبارها، لا أنه يضمن اتفاقًا. وقد تكون قيمة الرسائل الإيرانية أنها تكشف ما تقبله طهران أو ترفضه، لا أنها تعني استعدادها النهائي لتسوية.

أما الاختبار الحقيقي، فسيكون في قدرة الأطراف على الانتقال من تبادل الرسائل إلى خطوات قابلة للتحقق، وفي استعدادها لوقف التصعيد الذي يهدد بإحباط أي مسار تفاوضي قبل أن يبدأ.

وربما تستطيع إيران الخروج من المرحلة الحالية بتفاهم يخفف الضغوط ويمنحها فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها. وربما تستمر المواجهة، بما تحمله من مخاطر على المنطقة كلها. لكن أيًا يكن المسار، فإن العودة إلى المشهد السابق للحرب لن تكون تلقائية، لأن الحرب لا تغيّر القدرات وحدها؛ إنها تغيّر الثقة، وتعيد ترتيب المصالح، وتدفع الدول إلى مراجعة خياراتها.

ولهذا، فإن السؤال ليس فقط ما إذا كانت موسكو ستنجح في الوساطة، ولا ما إذا كانت طهران ستواصل التصعيد. السؤال الأعمق هو ما إذا كانت الأطراف ستدرك أن استخدام القوة لتحسين شروط التفاوض قد يتحول إلى عائق أمام التفاوض نفسه… فإيران قد تجد في موسكو نافذةً للعودة إلى الدبلوماسية، لكن إبقاء هذه النافذة مفتوحة يتطلب أكثر من وسيط. إنه يتطلب قرارات تمنع الحرب من ابتلاع الفرصة التي تحاول السياسة إنقاذها.

التعليقات

اترك تعليقاً