قصة جيل زد مع المال
في عالمٍ لم تعد فيه القواعد القديمة تضمن النتائج نفسها، يبدو أن جيلاً كاملاً قرر إعادة تعريف معنى “العقلانية” في إدارة المال.
لم يعد الادخار طويل الأجل أو شراء منزل الهدف الطبيعي الذي تسير نحوه الحياة، بل تحوّل المشهد إلى لعبة احتمالات مفتوحة: استثمارات عالية المخاطر، مراهنات رقمية، ومحاولات سريعة للوصول إلى الاستقرار المالي. هنا تحديداً يظهر “جيل زد”، لا كجيل متمرّد بلا حساب، بل كجيل يعيد الحسابات من الأساس.
تشير البيانات إلى أن خريجي الجامعات الجدد في الولايات المتحدة يخرجون إلى سوق العمل وهم مثقلون بديون تصل في المتوسط إلى نحو 94 ألف دولار.

سوق الإسكان
في الوقت ذاته، يجدون أنفسهم في سوق إسكان أصبح بعيد المنال. ففي عام 1990، كان سعر المنزل المتوسط يعادل نحو 3.2 أضعاف دخل الأسرة السنوي، أما اليوم فقد ارتفع إلى خمسة أضعاف، ويصل إلى نحو ثمانية أضعاف بالنسبة للفئة العمرية بين 20 و34 عاماً.
هذه الفجوة جعلت امتلاك منزل – الذي كان حجر الزاوية في بناء الثروة – هدفاً شبه مستحيل لكثيرين.
لا يقف الأمر عند الإسكان. فعلى الرغم من الحصول على شهادات جامعية، لم يشهد متوسط الأجور الحقيقية تحسناً يُذكر منذ عقود، إذ ارتفع بشكل طفيف فقط من نحو 58 ألف دولار في 1990 إلى حوالي 60 ألف دولار اليوم بعد احتساب التضخم.
معدلات بطالة أعلى
في المقابل، يواجه هذا الجيل معدلات بطالة أعلى من المتوسط، حيث تبلغ نحو 8.3%، إضافة إلى أن نصف الخريجين تقريباً يعملون في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، بينما تراجعت فرص الوظائف المبتدئة بنحو 35% خلال السنوات الأخيرة.
في ظل هذه المعادلة المختلة، لم يعد غريباً أن يتجه كثير من أفراد هذا الجيل إلى خيارات مالية بديلة. فقد أظهرت الأرقام أن 42% من مستثمري “جيل زد” يمتلكون أصولاً رقمية مثل العملات المشفرة، وهي نسبة تفوق بأربع مرات تقريباً عدد من يمتلكون حسابات تقاعد تقليدية.
بل إن نحو خُمس المستثمرين تحت سن الثلاثين يعتمدون بالكامل على العملات الرقمية دون أي استثمارات أخرى. كما شهدت أسواق التنبؤ – وهي منصات تراهن على نتائج الأحداث – نمواً كبيراً، حيث تضاعف حجم التداول فيها عدة مرات، مع مشاركة أو اهتمام يقارب ثلث مستثمري هذا الجيل.
“العدمية المالية”
هذا السلوك لا يُفسَّر فقط على أنه ميل للمخاطرة، بل يرتبط بما يُعرف بـ”العدمية المالية”. وهو مصطلح يصف شعوراً متزايداً بأن النظام الاقتصادي لم يعد يكافئ الانضباط أو التخطيط طويل الأجل.
بعبارة أخرى، إذا كانت القواعد لا تؤدي إلى النتائج المرجوة، فلماذا الالتزام بها أصلاً؟
تقدم دراسة حديثة صادرة عن جامعتي شيكاغو ونورثويسترن تفسيراً أدق لهذا التحول. إذ تشير إلى أن الأفراد، عندما تتراجع قناعتهم بإمكانية امتلاك منزل، يميلون إلى زيادة الاستهلاك مقارنة بثرواتهم، كما يتجهون نحو استثمارات أكثر خطورة.
هذا التحول ليس عشوائياً، بل يعكس إعادة تقييم عقلانية للفرص المتاحة: إذا كان المسار التقليدي مغلقاً، فإن المخاطرة تصبح خياراً منطقياً.

بنية الاقتصاد
لكن تأثير هذا التحول يتجاوز سلوك الأفراد ليصل إلى بنية الاقتصاد نفسه. فجيل زد مرشح ليصبح أكبر شريحة سكانية عالمياً خلال العقد المقبل، مع توقعات بأن يشكل نحو 30% من سكان العالم.
ومع ارتفاع دخله الإجمالي من 9 تريليونات دولار في 2023 إلى 74 تريليون دولار بحلول 2040، فإن طريقة تعامله مع المال ستؤثر بشكل مباشر على فاعلية السياسات الاقتصادية.
تعتمد السياسات النقدية التقليدية على نموذج معين للأسر: أسرة تمتلك منزلاً، تتأثر بتغيرات أسعار الفائدة، وتستثمر في الأسواق التقليدية. لكن مع تزايد عدد الأفراد الذين لا يمتلكون رهونات عقارية ولا يحتفظون بمدخراتهم في هذه الأسواق، فإن تأثير أدوات السياسة النقدية قد يتراجع.
ببساطة، إذا لم يكن لدى الأفراد قروض لإعادة تمويلها أو استثمارات تقليدية تتأثر بالفائدة، فإن تغيير أسعار الفائدة لن يغير سلوكهم بالشكل المتوقع.
تحول الثروة
في مواجهة هذه التحديات، يُطرح مفهوم “التحول الكبير للثروة” كحل محتمل. إذ يمتلك جيل طفرة المواليد حالياً أكثر من نصف الثروة في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يتم نقل ما بين 68 و84 تريليون دولار إلى الأجيال الأصغر خلال العقدين المقبلين. ظاهرياً، يبدو هذا كتعويض طبيعي يعيد التوازن بين الأجيال.
غير أن الواقع أكثر تعقيداً. فالتوزيع غير المتكافئ للثروة يعني أن الفائدة من هذا الانتقال لن تصل إلى الجميع.
تشير التقديرات إلى أن أغنى 10% من الأسر سيحصلون على أكثر من نصف هذه التحويلات، بينما سيحصل النصف الأدنى من السكان على نحو 8% فقط. وإذا استُبعدت الشريحة الأغنى، فإن متوسط الإرث لبقية السكان يقترب من الصفر.
بالنسبة لغالبية جيل زد، فإن “التحول الكبير للثروة” ليس أكثر من قصة عن أموال الآخرين. والأسوأ من ذلك، أن هذه التحويلات قد تؤدي إلى رفع أسعار الأصول، خاصة العقارات، عندما يعيد المستفيدون استثمارها، مما يزيد من صعوبة دخول السوق أمام الآخرين.

تعميق الانقسام
هنا يتعمق الانقسام داخل الجيل نفسه. فهناك أقلية تحصل على دعم مالي من العائلة، ما يتيح لها شراء أصول تنمو قيمتها مع الوقت، والدخول في دائرة تراكم الثروة. في المقابل، تبقى الأغلبية بدون هذا الدعم، تواجه أجوراً راكدة وأسعاراً متصاعدة، ما يدفعها للبحث عن طرق بديلة لتحقيق الاستقرار المالي.
هذا الانقسام يعزز فكرة أن النجاح المالي أصبح أشبه بلعبة، حيث يعتمد الفوز فيها على عوامل خارجة عن السيطرة الفردية، مثل الخلفية العائلية أو التوقيت.
ومع اتساع الفجوة بين من يملكون الأصول ومن لا يملكونها، تصبح المخاطرة خياراً أكثر جاذبية – بل وأكثر “عقلانية” – لمن هم خارج اللعبة التقليدية.
في النهاية، لا يمكن معالجة هذه الظاهرة بالاعتماد على التثقيف المالي وحده. فالمشكلة ليست في نقص المعرفة، بل في واقع اقتصادي لا يوفر الفرص نفسها للجميع.
لذلك، يتطلب الأمر إعادة نظر أوسع تشمل السياسات النقدية والتنظيمية، بحيث تأخذ في الاعتبار تحولات سلوك هذا الجيل والأسواق التي يتجه إليها.
إذا استمرت الفجوة بين النظام التقليدي وواقع جيل زد، فإن ما يُنظر إليه اليوم كسلوك محفوف بالمخاطر قد يصبح القاعدة الجديدة. وفي غياب مسارات واضحة لبناء الثروة، سيبقى الرهان – بكل أشكاله – خياراً منطقياً لجيل يحاول ببساطة أن يجد مكانه في اقتصاد لم يُصمم له.
المصدر: “المنتدى الاقتصادي العالمي”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات