الدكتوراه بين الوجاهة والمعرفة… حين يفقد اللقب معناه! – أخبار السعودية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
في زمنٍ أصبحت فيه الشهادات العليا أكثر حضورًا من أثرها، يبرز سؤالٌ مقلق: هل ما زالت الدكتوراه تمثّل ذروة البحث العلمي، أم أنها تحوّلت تدريجيًا إلى لقبٍ اجتماعي يُضاف إلى الأسماء أكثر مما يُضاف إلى المعرفة؟
لم يعد لافتًا أن نرى ازديادًا مطّردًا في أعداد الحاصلين على الدكتوراه، لكن اللافت حقًا هو محدودية ما يقابله من إنتاج علمي مؤثر.
هذه المفارقة تفرض علينا إعادة النظر، لا في قيمة الدكتوراه، ولكن في طريقة فهمها وممارستها، وفي منظومة الدراسات العليا التي باتت بحاجة إلى هوية أكثر وضوحًا، وضبطٍ يعيد لها دورها الحقيقي بوصفها حاضنة للبحث لا مجرد محطة للعبور.
لابد أن نعي أنه ليست المشكلة في الدكتوراه بحد ذاتها، بل في التحوّل الذي أصاب معناها ووظيفتها في وعينا الجمعي. فهذه الدرجة العلمية التي وُجدت لتكون ذروة المسار البحثي، وأداة لإنتاج معرفة جديدة، بدأت تنزلق تدريجيًا نحو كونها غاية شكلية، يُسعى إليها لاعتبارات اجتماعية أو مهنية، أكثر من كونها التزامًا حقيقيًا بالبحث والعلم.
ومن هنا، لم تعد كثرة شهادات الدكتوراه مؤشرًا صحيًا بالضرورة، فقد تكون في بعض تجلياتها دلالة على خلل في الفهم والممارسة معًا.
الدكتوراه في أصلها ليست لقبًا يُضاف إلى الاسم، ولا مكسبًا شخصيًا يُستخدم في التعريف بالنفس، هي مسؤولية معرفية تبدأ بعد الحصول عليها، لا تنتهي عندها. هي إعلان ضمني بأن حاملها قادر على إنتاج معرفة، لا استهلاكها فقط، وعلى الإضافة إلى حقل تخصصه، لا الاكتفاء بما هو قائم.
لكن ما يحدث اليوم في كثير من الحالات، أن هذه الشهادة تُختزل إلى مجرد محطة دراسية، تُستكمل متطلباتها، ثم تُطوى صفحتها، ليبقى اللقب دون أثر علمي يُذكر.
المفارقة الأبرز أن عددًا كبيرًا من الحاصلين على الدكتوراه هم موظفون في قطاعات لا تتطلب بطبيعتها ممارسة البحث العلمي، ولا تتيح لهم بيئاتهم الوظيفية الاستمرار في الإنتاج المعرفي.
يتحول الأمر إلى مفارقة صامتة: شهادة بحثية في سياق غير بحثي، ولقب علمي لا يجد مساحة لتجسيده. وهنا تتشكل فجوة بين ما تمثّله الدكتوراه نظريًا، وما يُمارس فعليًا في الواقع.
لا يمكن إنكار أن الدوافع الشخصية تلعب دورًا في هذا التوجه؛ فالبعض يسعى للدكتوراه بدافع تحسين المكانة، أو تحقيق تميّز وظيفي، أو حتى إرضاء طموح ذاتي مشروع.
لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول هذه الدوافع إلى الغاية الأساسية، ويتراجع الهدف الأسمى وهو الإسهام في المعرفة. عندها تصبح الدكتوراه وسيلة للوجاهة، لا منصة للإنتاج، ويغدو اللقب بديلاً عن الفعل.
هذه الظاهرة لا تنفصل عن سياق أوسع يتعلق بهوية الدراسات العليا في جامعاتنا. فثمة حاجة ملحّة لإعادة تعريف هذه المرحلة، وضبط معاييرها، ليس فقط في القبول، بل في كامل منظومتها. القبول في برامج الدكتوراه يجب أن يكون قائمًا على الكفاءة البحثية الحقيقية، لا على المعدلات أو الرغبة المجردة. كما أن اختيار موضوعات الرسائل يحتاج إلى مراجعة جادة، بحيث ترتبط باحتياجات المجتمع، وتُسهم في معالجة قضاياه، لا أن تبقى حبيسة التنظير أو التكرار.
العلاقة بين الطالب والمشرف تمثل بدورها محورًا حاسمًا في جودة المخرجات. ففي بعض الحالات، تتحول هذه العلاقة إلى إجراء شكلي، يفتقد التوجيه الحقيقي، أو ينحصر في استكمال المتطلبات الأكاديمية دون بناء مشروع بحثي متكامل.
كذلك، يقع على عاتق الأقسام العلمية مسؤولية كبرى في خلق بيئة بحثية حقيقية، تُحفّز على النقاش، وتدعم الإنتاج، وتربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
إن إعادة ضبط الدراسات العليا لا تعني التضييق على الطموح، بل توجيهه. ولا تعني تقليل أعداد المقبولين بقدر ما تعني تحسين نوعية المخرجات. فالمجتمع لا يحتاج إلى أعداد متزايدة من حملة الدكتوراه بقدر حاجته إلى باحثين حقيقيين، قادرين على التفكير النقدي، وإنتاج المعرفة، والمساهمة في التنمية.
في المقابل، لا يعني التأكيد على البعد البحثي للدكتوراه اختزالها في أوراق علمية متكررة، فالبحث في جوهره ليس نصًا مكتوبًا بقدر ما هو منهج تفكير وقدرة على معالجة المشكلات المعقدة بطرق علمية.
ففي الطب قد يتمثّل في تحسين الممارسة السريرية المبنية على الأدلة، وفي الهندسة في تطوير حلول تقنية مبتكرة، وفي التربية في تصميم نماذج تعليمية فاعلة.
الإشكالية لا تكمن في كون الدكتوراه بحثًا، بل في تحوّلها إلى محطة تنتهي عندها الممارسة البحثية، بدل أن تكون بداية لمسار مستمر من الإنتاج والتطوير.
ينبغي أيضًا إعادة النظر في الحوافز الوظيفية المرتبطة بالشهادات العليا، بحيث لا تكون الدكتوراه مجرد وسيلة للترقي، إنما مسؤولية تُترجم إلى أثر. فالقيمة الحقيقية لهذه الدرجة لا تُقاس بوجودها في السيرة الذاتية، ولكن بوضوح انعكاسها على صاحبها: في إنتاج علمي مستمر، وفي بناء هوية بحثية واضحة، وفي حضور اجتماعي فاعل يسهم في نشر المعرفة، ويشارك في النقاشات الفكرية، ويضيف إلى مجتمعه لا أن يكتفي بالانتماء الشكلي إلى نخبة الألقاب
ليس المقصود من هذا الطرح التقليل من قيمة الدكتوراه، على العكس، هو دفاع عن معناها الحقيقي. فحين نفقد المعنى، نفقد القيمة، حتى لو احتفظنا بالشكل. والرهان اليوم ليس على عدد الشهادات، بل على نوعية الأثر الذي تُحدثه.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نريد مجتمعًا يحمل ألقابًا علمية، أم مجتمعًا يُنتج علمًا؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مسارنا في التعامل مع الدكتوراه، إما كقيمة معرفية حقيقية، أو كصورة اجتماعية براقة لا تعكس بالضرورة ما وراءها.
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات