ماذا يحدث عندما لا يلتزم جهاز الاستخبارات بالحدود المرسومة له؟ وهل يمكن أن يكون تداخل الاختصاصات بين أجهزة التجسس والأمن خللًا في إدارة الدولة، أم أنه في بعض الأحيان يصبح وسيلة لحماية الدولة نفسها؟ هذه الأسئلة تقود د. شادي عبدالوهاب منصور في كتابه “التحليل المقارن للمؤسسات الأمنية في روسيا وكندا والولايات المتحدة”، الصادر أخيرا عن دار العربي للنشر بالقاهرة إلى منطقة قلما اقتربت منها الكتابات العربية عن الاستخبارات: ليس ماذا تعرف أجهزة الاستخبارات فقط، ولا كيف تجمع المعلومات، وإنما كيف تعمل هذه الأجهزة داخل الدولة، وكيف تتقاطع اختصاصاتها، ولماذا تتنافس وتتداخل رغم وجود قوانين وهياكل يفترض أن تفصل بينها.
الكتاب هو الثالث للمؤلف في مجال الاستخبارات، بعد “تحليل العلاقات الدولية والتنبؤ بمستقبلها في المناهج الاستخباراتية” و”الدراسات الأمنية الدولية: البعد الخفي في إدارة السياسة الخارجية”. وإذا كان الكتاب الأول قد اهتم بمناهج التحليل الاستخباراتي، والثاني بتأصيل الاستخبارات بوصفها حقلًا فرعيًا من الدراسات الأمنية الدولية وأداة من أدوات السياسة الخارجية، فإن الكتاب الجديد ينقل النظر إلى داخل المؤسسة نفسها، ليفحص شبكة الأجهزة التي تكوّن مجتمع الاستخبارات، وما بينها من تداخل وتنافس وتعاون.
ومنذ البداية يضع د. شادي قيدًا مهمًا أمام القارئ: لا توجد صورة كاملة متاحة عن هذه الأجهزة. طبيعتها السرية تجعل المعلومات المنشورة عنها ناقصة ومتفاوتة، فهناك أجهزة تتوافر عنها مادة كبيرة نسبيًا، مثل وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي في الولايات المتحدة، بينما تقل المعلومات بصورة واضحة عن أجهزة أخرى. لذلك لا يدعي الكاتب أنه يرسم خريطة مكتملة لعالم مغلق، وإنما يحاول تركيب الصورة من المصادر المفتوحة، والكتب والدوريات المتخصصة، وما يمكن استنتاجه من الوظائف المعروفة لهذه الأجهزة.
لكن المفاجأة التي تكشفها المقارنة أن الحدود بين أجهزة الاستخبارات ليست بالصلابة التي قد توحي بها أسماؤها الرسمية، فالجهاز المسؤول عن مكافحة التجسس قد يعمل في الخارج، والجهاز المكلف بالتجسس الخارجي قد ينشط داخل الدولة، خصوصًا عندما تتصل التهديدات الخارجية بالداخل. وهكذا لا يصبح العالم الاستخباراتي مجموعة صناديق منفصلة، لكل منها مهمة محددة، بل شبكة متداخلة من المؤسسات التي قد تؤدي الوظيفة نفسها من زوايا مختلفة.
روسيا تقدم نموذجًا واضحًا لهذه الحالة، فالكتاب يتوقف أمام جهاز الأمن الفيدرالي “إف إس بي”، ومديرية المخابرات الرئيسية “جي آر يو”، وجهاز الاستخبارات الخارجية “إس في آر”، إلى جانب الوكالة الفيدرالية للاتصالات.
وعلى الورق تبدو الاختصاصات مختلفة، لكن الممارسة تكشف مناطق واسعة من التقاطع، فجهاز الاستخبارات الخارجية هو الجهاز الرئيسي المكلف بالتجسس الخارجي، إلا أن جهاز الأمن الفيدرالي، الذي يرتبط أساسًا بحماية الدولة من التجسس الأجنبي، يشارك أيضًا في الاستخبارات الخارجية، بينما تقوم مديرية المخابرات الرئيسية، بوصفها جهاز الاستخبارات العسكرية، بدور في المجال نفسه. ولا يتوقف التداخل عند التجسس التقليدي، بل يمتد إلى الهجمات السيبرانية وعمليات التأثير عبر المجال الرقمي.
وفي كندا، تبدو الصورة أقل ارتباطًا بقوة عظمى وأكثر إثارة للاهتمام لأنها تختبر السؤال نفسه في دولة متوسطة، فهناك جهاز الاستخبارات الأمنية الكندي وقيادة الاستخبارات العسكرية، ووحدات استخبارات في وزارة العلاقات الخارجية والتجارة الدولية، إلى جانب شرطة الخيالة الكندية الملكية.
وكان تأسيس جهاز الاستخبارات الأمنية الكندي عام 1984 يفترض أن ينقل إليه جانبًا من الوظائف التي كانت تضطلع بها شرطة الخيالة، خصوصًا في مكافحة التجسس، لكن النتيجة لم تكن اختفاء الوظائف القديمة. ظلت الشرطة تمارس أدوارًا استخباراتية، كما ظل جهاز الاستخبارات الأمنية يمارس أدوارًا تتجاوز الحدود الضيقة لمكافحة التجسس، بما في ذلك النشاط المرتبط بالاستخبارات الخارجية.
أما الولايات المتحدة، التي تمتلك واحدًا من أكثر مجتمعات الاستخبارات تعقيدًا في العالم، فلا تقدم نموذجًا مختلفًا جذريًا. وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي تتقاطع أدوارها في عدد من المجالات، خصوصًا في مواجهة التهديدات السيبرانية.
وتتداخل وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي في استخبارات الإشارة، بينما يؤدي مكتب التحقيقات الفيدرالي أدوارًا في مواجهة التجسس الأجنبي، وفي الوقت نفسه يمارس نشاطًا ذا طبيعة استخباراتية خارجية من خلال التجسس على السفارات الأجنبية داخل الولايات المتحدة. والأكثر إثارة أن وكالة الاستخبارات المركزية، التي لا يفترض بها ممارسة التجسس الداخلي، وجدت نفسها في حالات مختلفة تراقب جماعات داخلية بدعوى الخوف من اختراقها من جهات أجنبية.
وهنا يطرح الكتاب فكرته الأكثر إثارة: ربما لا يكون التداخل بين أجهزة الاستخبارات عيبًا ينبغي التخلص منه، بل قد يكون جزءًا من الطريقة التي تعمل بها هذه الأجهزة أصلًا، فالتنافس بين المؤسسات قد يبدو من الخارج إهدارًا للموارد، لكنه يمنح رئيس السلطة التنفيذية أكثر من نافذة لمراقبة جهاز أمني شديد السرية، كما أن وجود أجهزة متعددة تؤدي وظائف متقاطعة قد يساعد على اكتشاف التقصير، أو يمنع جهازًا واحدًا من احتكار المعلومات المتعلقة بالأمن القومي.
ثم إن طبيعة التهديدات الحديثة نفسها تدفع إلى التداخل؛ فالإرهاب قد يبدأ من الخارج وينتهي في الداخل، والجريمة المنظمة قد تكون لها صلات بجهات أجنبية، والهجوم السيبراني لا يعترف أصلًا بالحدود التقليدية بين الداخل والخارج.
لكن المسألة تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالقانون، فالدراسة تكشف أن القوانين المنظمة لعمل أجهزة الاستخبارات جاءت أحيانًا بعد أن كانت الأجهزة قد بدأت بالفعل في ممارسة وظائف معينة. أي أن القانون لم يكن دائمًا نقطة البداية، بل جاء في بعض الحالات لاحقًا ليقنن ممارسات قائمة ويمنحها شرعية. ويشير الكتاب إلى حالات أميركية وكندية شهدت ممارسة بعض الوظائف قبل تقنينها رسميًا، كما يرصد فجوة بين القيود القانونية والممارسة العملية، خصوصًا في مجال الرقابة على المواطنين والتنصت والمراقبة السرية.
وهذه الفجوة تفتح سؤالًا أكبر: من يراقب من يملك المعلومات السرية؟ في روسيا ترتبط أجهزة الاستخبارات مباشرة بالرئيس، وقد جرى تعزيز السيطرة الرئاسية على جهاز الأمن الفيدرالي، بينما يستطيع رئيس مديرية المخابرات الرئيسية الاتصال مباشرة بالرئيس رغم تبعيتها لوزير الدفاع.
وفي كندا يتولى مستشار الأمن القومي والاستخبارات مهمة التنسيق، لكنه لا يمتلك، وفق الكتاب، سلطة فعلية تجبر الأجهزة على التعاون. أما في الولايات المتحدة، فمحاولات إنشاء قيادة أكثر مركزية لم تلغ حقيقة أن أجهزة الاستخبارات الكبرى تحتفظ بدرجة كبيرة من الاستقلال المؤسسي، وأن دور القيادة المركزية يظل تنسيقيًا إلى حد بعيد.
وتصبح المقارنة أكثر دلالة عندما ينتقل الكتاب من الهياكل إلى الثقافة التي تحكم هذه المؤسسات، فالمجتمعات الاستخباراتية في الدول الثلاث، رغم اختلاف نظمها السياسية ومواقعها الدولية، تنظر إلى نفسها باعتبارها خط الدفاع الأول عن الدولة ومصالحها في مواجهة الأخطار الخارجية.
لكن تعريف الخطر يختلف بحسب التاريخ السياسي لكل دولة. روسيا تحمل إرثًا طويلًا من النظر إلى التهديد القادم من الغرب، من الحروب النابليونية إلى ألمانيا النازية وصولًا إلى توسع حلف الناتو. وفي الولايات المتحدة تشكلت ثقافة استراتيجية تقوم على تصور خاص لدور البلاد في النظام الدولي وعلى المنافسة التاريخية مع الاتحاد السوفييتي ثم روسيا والصين. أما كندا، فقد طورت تصورًا أمنيًا قريبًا في كثير من جوانبه من التصور الأميركي.
ولا يخفي د. شادي مشكلة أخرى شديدة الأهمية تتمثل في: المصادر نفسها. فكلما اقترب الباحث من عالم الاستخبارات، وجد نفسه أمام معلومات ناقصة، وبعضها صادر عن أطراف لها مصالحها وتصوراتها. ويزداد الأمر صعوبة في الحالة الروسية، حيث تعتمد المعلومات المتاحة بدرجة كبيرة على مصادر غربية، وهو ما يجعل التعامل معها بحاجة إلى قدر كبير من الحذر والنقد. لذلك يؤكد الكتاب أنه لم يتعامل مع هذه المعلومات باعتبارها حقائق مكتملة، وإنما حاول تقييمها للوصول إلى صورة أكثر موضوعية عن مجتمع الاستخبارات الروسي ومقارنته بالنموذجين الكندي والأميركي.
في النهاية، لا يقول الكتاب إن روسيا وأميركا وكندا متشابهة، ولا يلغي الفروق الهائلة بين أنظمتها ومؤسساتها وتاريخها السياسي. لكنه يقول شيئًا أكثر أهمية: وراء هذه الفروق توجد آلية مشتركة في إدارة عالم الاستخبارات، هي التداخل المستمر بين الأجهزة، والمرونة في تفسير الاختصاصات، والتوتر الدائم بين الأمن والقانون، وبين السرية والرقابة، وبين التعاون والمنافسة. ومن هنا تصبح دراسة الاستخبارات دراسة للدولة نفسها؛ كيف تحمي نفسها، وكيف تراقب من يراقبها، وكيف تبرر تجاوز الحدود القانونية عندما تعتبر أن أمنها مهدد، وكيف يمكن أن يتحول الجهاز الذي أنشئ لمواجهة خطر محدد إلى مؤسسة تمتلك مع الوقت وظائف أوسع بكثير.
هكذا يقدم د. شادي كتابه بوصفه محاولة لفتح باب بحثي لا يزال محدودًا في المكتبة العربية: النظر إلى الاستخبارات باعتبارها مؤسسات مترابطة لا مجرد أجهزة منفصلة، وإلى التداخل بينها باعتباره ظاهرة لها أسبابها ووظائفها، لا مجرد فوضى إدارية، فالحدود بين التجسس ومكافحة التجسس، وبين الداخل والخارج، وبين الأمن والقانون، تبدو في عالم الاستخبارات أقل وضوحًا بكثير مما تبدو عليه في الوثائق الرسمية.
وهذه ربما تكون الخلاصة الأكثر إثارة التي تخرج بها المقارنة: كلما حاولت الدولة أن ترسم حدودًا واضحة لأجهزتها السرية، أعادت طبيعة التهديدات نفسها رسم تلك الحدود بطريقة أكثر سيولة وتعقيدًا.

التعليقات