يشكل قرار تبادل طرد الدبلوماسيين بين القاهرة وأديس أبابا تصعيداً لافتاً وتحولاً بارزاً في منحنى الصراع الإقليمي حول القرن الأفريقي. وتزعم أديس أبابا أن أطرافاً إقليمية تقدم دعماًًً لخصومها الداخليين مع تجدد القتال في إقليم تيغراي وتعثر اتفاق بريتوريا، وهو ما يدفع الخلافات التفاوضية إلى أفق إدارة الصراعات بالوكالة والضغوط الجيوسياسية الشاملة.
ويُعد القرن الأفريقي اليوم إحدى أكثر مناطق العالم اكتظاظاً بالقواعد العسكرية والوجود الأجنبي (جيبوتي وحدها تضم قواعد لأميركا، الصين، فرنسا، اليابان، وإيطاليا)، فهي تشرف على واحدة من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم وهو مضيق باب المندب الذي يمثل شرياناً للطاقة والتجارة الدولية بين الشمال والجنوب والشرق، وأي تحرك سياسي أو عسكري غير مدروس في تلك المنطقة يمكن أن يكون له ارتدادات عنيفة يصعب احتواؤها.
لذا لم تعد الأزمة المصرية الإثيوبية مجرد نزاع مائي تقني حول سد النهضة، بل أصبحت المحرك الأساسي لاستقطاب جيوسياسي واسع يمتد من حوض النيل إلى سواحل البحر الأحمر وخليج عدن.
وهو ما تكشفه خريطة الاصطفافات الحالية، المتمثلة في تنامي وتقارب المصالح بين مصر والصومال وإريتريا، ومواقف الجيش السوداني، بهدف بناء طوق ردع جيوسياسي يحيط بإثيوبيا، لمنع فرض سياسة الأمر الواقع في ملف المياه أو الممرات البحرية، خاصة إثر توقيع أديس أبابا مذكرة التفاهم مع إقليم “أرض الصومال”.
في المقابل، تتلاقي مصالح إثيوبيا وأرض الصومال وإسرائيل في بعض الملفات المرتبطة بالموانئ والأمن البحري والنفوذ الإقليمي، وإن لم تكن أهداف الأطراف الثلاثة متطابقة بالضرورة. وتسعى إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، إلى تأمين منفذ بحري يخفف اعتمادها على الموانئ المجاورة، بينما يضيف اعتراف تل أبيب بأرض الصومال بُعداً جديداً في هذا التنافس الإقليمي.
تسعى مصر عبر شركائها (الصومال وإريتريا) إلى إيجاد نقاط ضغط ميدانية وسياسية عالية الكلفة على الحدود والأمن القومي الإثيوبي.
وخطوة طرد الدبلوماسيين تخفض العلاقات إلى أدنى مستوياتها منذ عقود. يُتوقع أن يتسبب هذا التصعيد في شلل لمسارات التفاوض المباشر في المحطات المقبلة، وربما سحب السفراء أو تقليص عدد البعثات إلى حدها الأدنى، مما يعني غياب أحد أهم المسارات الدبلوماسية والتعويل الكامل على الوساطات الدولية.
مع تجدد الاشتباكات وتشكيل التحالفات المعارضة في الداخل الإثيوبي، تجد الحكومة المركزية نفسها تحت ضغط عسكري وسياسي متصاعد. وقد تتجه أديس أبابا لتوظيف الاتهامات الخارجية لمحاولة محاصرة المعارضة الداخلية وتبرير الأزمات.
في المقابل، يكرس هذا التوتر بناء تحالفات مضادة في الإقليم تمتد من القرن الأفريقي مروراً بالبحر الأحمر والسودان لفرض معادلات توازن جديدة.
أصبح ملف سد النهضة جزءاً لا يتجزأ من صراع السيطرة على الممرات المائية والموانئ في البحر الأحمر وخليج عدن. وأي تحرك إثيوبي أحادي في ملف المياه أو القواعد البحرية يقابله تحرك مصري صومالي إريتري مضاد في ذات المساحة الجغرافية.
وهناك القوى الإقليمية والدولية التي تزيد من تعقيدات هذا المشهد، وأبرزها واشنطن، الصين، روسيا، ودول الخليج. تتخذ هذه القوى مواقف قائمة على الموازنة وحماية المصالح الاستثمارية والعسكرية في جيبوتي والبحر الأحمر. لكن هذا لا يمنع أنها قد تنزلق لصالح طرف في ظل تشابك خيوط الأزمة التي أصبحت ممتدة من إيران إلى اليمن مروراً بدول مجلس التعاون التي تتباين مواقف أعضائها في السودان وليبيا.
الموقف الأميركي الأخير برفع حظر التسليح عن اثيوبيا، يكشف بعض تلك التعقيدات، باعتباره جزءاً من محاولة لإعادة ضبط العلاقة الأمنية مع أديس أبابا والحفاظ على قنوات نفوذها في المنطقة، في ظل التنافس مع الصين وروسيا اللتين تسعيان لتعزيز تواجدهما قرب منابع النيل والقرن الإفريقي، وليس بالضرورة مؤشراً على اصطفاف أمريكي كامل إلى جانب إثيوبيا.
مع غياب أي إطار اتفاقي ملزم وإعلان القاهرة السد عملاً غير شرعي ومساساً بالأمن المائي، فإن تعطيل الدبلوماسية يترك الملف رهيناً للخطوات الأحادية من جانب أديس أبابا. سينعكس ذلك في تحرك مصر المكثف للضغط الاقتصادي والدبلوماسي المباشر وغير المباشر، وتوظيف النفوذ في المحافل الدولية والأفريقية.
وقد تستمر الأزمة في التصاعد إلى أن تصل لمرحلة إنهاك سياسي وميداني تفرض دخول أطراف دولية وإقليمية نافذة لرسم خطوط حمراء تمنع انزلاق القرن الإفريقي بأكمله إلى انهيار أمني واسع النطاق، وهو سيناريو تتخوف منه القوى الكبرى لما له من أثر مباشر على أمن الملاحة والتجارة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
رغم وصول الخطاب السياسي والدبلوماسي إلى حالة غير مسبوقة من الشحن، يبدو خيار المواجهة العسكرية المباشرة والشاملة بين البلدين مستبعداً إلى حين نظراً للعديد من الحسابات المعقدة. حيث تتجه القوى نحو الحروب غير المباشرة (الضغط السياسي، التأثير الاستخباري، الاصطفافات الإقليمية، واستغلال الثغرات الجيوسياسية على الجبهات المفتوحة).
لكن بقاء الانسداد السياسي والدبلوماسي وحتى على المستوى التقني والفني لإدارة ملف سد النهضة بالتنسيق بين البلدين، قد يرفع تدريجياً من احتمالات لجوء القاهرة إلى خيارات أكثر خشونة، بما فيها عمليات عسكرية محدودة من خلال قواعدها العسكرية علي البحر الاحمر، إذا رأت أن مصالحها الحيوية باتت مهددة بصورة لا يمكن احتواؤها دبلوماسياً. مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن استبعاد أن يكون خيار التعنت الذي تتبعه اثيوبيا واستمرار هذا الانسداد وسيلة لتحقيق مكاسب خاصة، والوصول إلى نقطة الصدام العسكري لصالح أطراف إقليمية ودولية.

التعليقات