التخطي إلى المحتوى

الرباط – تشير الرسالة التي وجهتها حركة ‘صحراويون من أجل السلام’ إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وطالبت فيها بإفساح المجال أمام أصوات صحراوية أخرى داخل المسار السياسي، إلى أن الحركة تسعى إلى تثبيت حضورها في النقاش الدولي حول مستقبل النزاع المفتعل، انطلاقاً من رؤية تناقض الطرح الانفصالي الذي تتمسك به جبهة بوليساريو.

وتدفع الحركة، التي يقودها الحاج أحمد باريكلى، باتجاه تسوية سياسية سلمية تفاوضية تقوم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وترفض العودة إلى الخيار العسكري، في محاولة لتقديم نفسها أمام المجتمع الدولي باعتبارها صوتاً صحراوياً واقعياً ينبذ العنف والسلاح والانسلاخ، ويدعو إلى توسيع دائرة المشاركة في البحث عن حل للنزاع، بعيداً عن الاصطفاف في أجندات تخدم جهات معادية للمملكة المغربية.

وتأتي مطالبتها بأن يتضمن القرار المقبل لمجلس الأمن إشارة إلى الحركة، في سياق سعيها إلى تكريس ما تسميه “تعددية صحراوية حقيقية” داخل المسار الأممي.

وتكتسب الرسالة أهمية إضافية من توقيتها، إذ تأتي مع دخول ملف الصحراء محطة جديدة في مجلس الأمن واقتراب انتهاء الولاية الحالية لبعثة الأمم المتحدة ‘المينورسو’، ما يجعل التحرك محاولة للدفع بموقف الحركة إلى واجهة النقاش الأممي في مرحلة تتجدد فيها التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالنزاع.

وظهرت ‘صحراويون من أجل السلام’ قبل نحو ست سنوات، وبرزت من أوساط صحراوية ضمت شخصيات كانت لها صلات سابقة بجبهة بوليساريو أو خرجت من محيطها السياسي، من بينها باريكلى. ومنذ تأسيسها، سعت إلى تقديم نفسها كتنظيم صحراوي مستقل يرفض الحرب ويطرح الحوار والتفاوض طريقاً لإنهاء النزاع، قبل أن يتطور خطابها باتجاه اعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً يمكن التفاوض انطلاقاً منه بشأن شكل التسوية وتفاصيلها.

ولم يعد حضور الحركة محصوراً في البيانات والتحركات السياسية، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 ظهر باريكلى للمرة الأولى باسمها أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، مقدماً ‘صحراويون من أجل السلام’ باعتبارها صوتاً صحراوياً مستقلاً لا يتحدث باسم بوليساريو ولا باسم المغرب، وداعياً إلى تجاوز الحرب والمواقف المتصلبة والبحث عن حل سياسي تفاوضي.

ولا يعني ذلك أن الحركة أصبحت طرفاً معترفاً به في العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، بقدر ما يعكس محاولتها بناء مساحة صحراوية مختلفة ومنازعة احتكار بوليساريو للخطاب السياسي الصحراوي. وهنا تحديدا تكمن إحدى دلالات تحركها، فهي لا تقدم نفسها كطرف مغربي يتحدث باسم الصحراويين، وإنما كفاعل صحراوي يرى أن التعبير عن مواقفهم لا ينبغي أن يبقى حكراً على تنظيم واحد.

ولا يقتصر مضمون الرسالة الأخيرة على طلب الاستماع إلى الحركة، بل يحمل تصورا أوسع يقوم على أن المشهد الصحراوي لا يعبر بالضرورة عن رؤية سياسية واحدة، وأن البحث عن تسوية قد يستفيد، من وجهة نظرها، من إدخال مواقف مختلفة إلى النقاش بشأن الطريق إلى الحل.

ويضع ذلك ‘صحراويون من أجل السلام’ في مساحة سياسية مختلفة عن جبهة بوليساريو، التي تشكل طرفا رئيسيا في النزاع المفتعل والمسار الأممي، فيما تحاول الحركة إبراز رؤية لا تتطابق معها في مقاربة التسوية ومستقبل العملية السياسية. ويمكن بهذا المعنى قراءة مشروعها باعتباره محاولة لفتح ‘طريق ثالث’ بين مشروع الانفصال الذي تتمسك به بوليساريو وبين استمرار النزاع بصورته الراهنة، عبر صيغة حكم ذاتي تفاوضية تستند إلى المبادرة المغربية.

والحركة لا تقدم طلبها باعتباره سعيا إلى إزاحة طرف وإحلال آخر مكانه، بل تحاول طرح نفسها كإضافة إلى مسار تعثر طويلا، مستندة إلى مقاربة تقوم على الحوار والتوافق والبحث عن تسوية لا تترك وراءها منتصرا ومهزوما.

ويتعزز التقاطع بين رؤيتها والطرح المغربي في مجموعة من النقاط، في مقدمتها رفض العودة إلى الحرب، وتفضيل التسوية السياسية التفاوضية، وقبول الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للحل، مقابل رفض مشروع الاستقلال الذي تتمسك به بوليساريو، غير أن الحركة تحرص في الوقت نفسه على تقديم هذا الموقف باعتباره خياراً صادراً عن فاعل صحراوي مستقل وليس امتداداً سياسياً للرباط.

وجاء هذا التوجه في سياق أممي شهد تحولا مهما مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 لعام 2025، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، مع التأكيد على أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل أحد أكثر المخارج قابلية للتطبيق.

ويكشف هذا الطرح عن رهان يتجاوز الحصول على حضور سياسي للحركة إلى الدفع باتجاه مراجعة الطريقة التي أدار بها المجتمع الدولي مسار التسوية، فبعد عقود من جولات التفاوض والقرارات الأممية والتحركات الدبلوماسية من دون الوصول إلى حل نهائي، ترى الحركة أن كسر الجمود قد يمر عبر توسيع دائرة النقاش وإدخال رؤى أخرى إلى العملية السياسية.

لكن بين هذا الطموح والحصول على موقع رسمي داخل المسار مسافة لا تزال قائمة، فالرسالة لا تعني أن الأمم المتحدة اعترفت بـ’صحراويون من أجل السلام’ طرفا جديدا في ملف النزاع المفتعل، ولا أن الحركة سحبت من بوليساريو موقعها في العملية السياسية. والأدق أن حضورها بدأ يفتح ثغرة سياسية في فكرة احتكار الخطاب الصحراوي، من دون أن يتحول حتى الآن إلى بديل مؤسسي معترف به أممياً.

كما لا تتوافر آلية انتخابية أو استطلاعات مستقلة يمكن من خلالها قياس حجم القاعدة الصحراوية المؤيدة للحركة، وهو ما يجعل وزنها المستقبلي مرتبطاً بقدرتها على الانتقال من حضور سياسي ودبلوماسي في المحافل الدولية إلى تيار يمتلك قاعدة اجتماعية صحراوية يمكن إثباتها، سواء داخل مخيمات تندوف أو في الشتات.

ويكتسب التحرك بعدا إضافيا عندما تربط الحركة رؤيتها بما تطلق عليه “المصالحة بين الصحراويين”، لتنتقل بذلك من البحث عن اتفاق سياسي إلى التفكير في المرحلة التي قد تليه، فأي تسوية مستقبلية لن تتعامل فقط مع خلاف سياسي ممتد، وإنما مع مجتمع عاش عقودا من الانقسام وتعدد التجارب والمواقف، ما يجعل استيعاب الاختلافات الداخلية أحد التحديات المطروحة على أي حل دائم.

وتضع الرسالة بذلك أمام الأمم المتحدة مقاربة تقوم على توسيع مساحة الحوار بالتوازي مع البحث عن نقاط التوافق بين الأطراف، في محاولة لتحريك مسار استعصى على التسوية لعقود بسبب عناد بوليساريو وانتهاكاتها لاتفاق وقف إطلاق النار واستمرارها في خلق أجواء لا تساعد على المضي في حل سياسي واقعي ينهي الصراع.

لكن انتقال ‘صحراويون من أجل السلام’ من توجيه الرسائل والحضور في المحافل الدولية إلى الحصول على مساحة فعلية داخل النقاش الأممي سيظل مرتبطا بموقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبقدرتها هي نفسها على إثبات حضور أوسع بين الصحراويين.

ومن هنا قد تكمن القيمة السياسية للحركة في المرحلة المقبلة: ليس باعتبارها بديلاً معترفاً به عن جبهة بوليساريو الانفصالية، وإنما كفاعل صحراوي يحاول كسر فكرة الصوت الواحد، ويطرح من داخل البيئة الصحراوية خياراً يتقاطع مع الحكم الذاتي المغربي ويبحث في الوقت نفسه عن موقع مستقل داخل معادلة ظلت لعقود محكومة بأطراف ومسارات لم تنجح حتى الآن في إغلاق واحد من أطول ملفات النزاع في المنطقة.

التعليقات

اترك تعليقاً