
يواجه الاقتصاد الأمريكي مفارقة لافتة تتمثل في تصاعد العجز المالي إلى مستويات قياسية، رغم استمرار معدلات البطالة عند مستويات منخفضة نسبيًا، في تطور يثير تساؤلات بشأن استدامة المالية العامة وقدرة الولايات المتحدة على احتواء أعباء الديون المتزايدة دون التأثير سلبًا على النمو الاقتصادي.
وبحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، بلغ العجز المالي التراكمي للولايات المتحدة منذ عام 2020 نحو 14.18 تريليون دولار، في حين تراجع متوسط معدل البطالة خلال السنوات السبع محل المقارنة بمقدار 0.4 نقطة مئوية، ليسجل 4.7%.
وتكشف هذه الأرقام عن استمرار الضغوط على الموازنة الأميركية، إذ لم يؤدِ تحسن أوضاع سوق العمل إلى تقليص العجز المالي، الذي يواصل الارتفاع بفعل زيادة الإنفاق الحكومي وتصاعد تكاليف خدمة الدين.
عجز أمريكي يقترب من تريليوني دولار خلال 11 شهرًا
وسجل العجز المالي الأمريكي نحو 1.97 تريليون دولار خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من السنة المالية 2026، ليصبح ثالث أكبر عجز يُسجل خلال الفترة نفسها من العام في تاريخ الولايات المتحدة.
وعادةً ما تتجه الحكومات إلى الحد من العجز المالي خلال فترات قوة الاقتصاد وانخفاض البطالة، مع الاحتفاظ بمساحة أكبر للإنفاق التحفيزي خلال فترات التباطؤ والأزمات الاقتصادية.
لكن المشهد الأمريكي الحالي يعكس مسارًا مختلفًا، إذ تستمر العجوزات الضخمة رغم عدم دخول الاقتصاد في ركود معلن، وسط ارتفاع النفقات الحكومية وتزايد مدفوعات الفائدة على الديون المتراكمة.
وأصبحت هذه العجوزات سمة متكررة في المالية العامة الأمريكية منذ جائحة كورونا، مع استمرار الإنفاق المرتفع وتزايد تكلفة الاقتراض، ما يضع الاستدامة المالية طويلة الأجل أمام تحديات متنامية.
تعديلات بيانات الوظائف تثير تساؤلات بشأن قوة سوق العمل
وفي موازاة الضغوط المالية، تواجه بيانات سوق العمل الأمريكية تدقيقًا متزايدًا، بعدما أظهرت المراجعات خفض تقديرات الوظائف المعلنة سابقًا في عدد كبير من الأشهر.
ووفقًا للبيانات الواردة، جرى تعديل أرقام الوظائف بالخفض خلال 16 شهرًا من أصل 20 شهرًا منذ بداية عام 2025، بإجمالي بلغ 793 ألف وظيفة، بما يعادل متوسطًا يقارب 39.65 ألف وظيفة أقل شهريًا خلال الفترة المذكورة.
كما خُفضت تقديرات الوظائف لشهري يوليو وأغسطس بإجمالي 60 ألف وظيفة، وفقًا للأرقام المشار إليها، وهو ما يعزز أهمية التمييز بين البيانات الأولية والتقديرات المعدلة عند تقييم الأداء الفعلي لسوق العمل.
وتكتسب هذه المراجعات أهمية خاصة للمستثمرين وصناع السياسات النقدية، إذ يعتمد تقييم قوة الاقتصاد واتجاهات التوظيف على مجموعة من المؤشرات، تشمل نمو الوظائف والأجور والبطالة ومعدلات التضخم.
الديون والإنفاق الحكومي يضعان الاقتصاد الأمريكي أمام اختبار صعب
ويثير استمرار العجز المالي المرتفع، بالتزامن مع تزايد تكاليف خدمة الدين، مخاوف بشأن قدرة الحكومة الأمريكية على الحفاظ على مرونة الإنفاق مستقبلًا، خاصة إذا ارتفعت تكاليف الاقتراض أو تباطأ النمو الاقتصادي.
كما أن استمرار العجز عند مستويات مرتفعة في ظل سوق عمل لا يزال متماسكًا نسبيًا يطرح تساؤلات حول حجم الضغوط الهيكلية على الموازنة، ومدى قدرة الإيرادات الحكومية على مواكبة نمو الإنفاق.
ومع تزايد أعباء الدين العام، ستظل تطورات العجز والوظائف والنمو الاقتصادي من أبرز المؤشرات التي تراقبها الأسواق خلال الفترة المقبلة، لما لها من انعكاسات محتملة على عوائد سندات الخزانة والدولار وتوجهات السياسة النقدية الأمريكية.
وتبقى التحديات الرئيسية أمام واشنطن مرتبطة بقدرتها على احتواء العجز وتكاليف الفائدة، دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي أو سوق العمل، في وقت تتزايد فيه أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات النمو والاستدامة المالية.

التعليقات