التخطي إلى المحتوى

من الثابت أن شعراء القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي أولوا الكلمة عناية بالغة، فاتخذوا من جرسها اللفظي مجالًا للجناس، ومن تعدد دلالاتها سبيلًا إلى التورية، ومن رسمها مادة للتشبيه والاستعارة، مستفيدين من ثراء العربية واتساع معاجمها وكثرة مترادفاتها. وهكذا غدا البديع عند بعضهم مظهرًا من مظاهر الطبع، وعند آخرين ضربًا من التكلف الذي فرضته أذواق العصر.

وكان ابن النبيه المصري (كمال الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف، المولود بمصر سنة 560هـ) شاعرًا جمع بين الأمرين؛ فجارى في بعض شعره نزعة عصره إلى الصنعة اللفظية، لكنه استطاع في كثير من قصائده أن يتحرر منها، ويمنح شعره رقةً وسلاسةً وقربًا من النفس.

نشأ ابن النبيه في بيئة علمية، فحفظ القرآن الكريم وطائفة من الأشعار، ثم اختلف إلى مجالس العلماء والأدباء، ونمت موهبته الشعرية حتى طمح إلى الاتصال بدواوين صلاح الدين الأيوبي ووزيره القاضي الفاضل، الذي كان راعيًا للأدباء والشعراء. ومدحه ابن النبيه بقصيدة ضمن أبياتها ألفاظًا مقتبسة من سورة المزمل، يقول فيها:

قمتُ ليلَ الصدودِ إلا قليلًا    ثم رتّلتُ ذكركم ترتيلًا

ووصلتُ السهادَ قبيحَ وصلٍ   وهجرتُ الرقادَ هجرًا جميلًا

غير أن القاضي الفاضل لم يستجب لطموحه، فلم يُعيَّن في دواوين صلاح الدين ولا في دواوين ابنه العزيز. ثم اتصل بالسلطان العادل ووزيره صفي الدين بن شكر، ونشأت صلته بالأشرف موسى بن العادل، فلما ولي الأشرف إمارة الرها سنة 598هـ اصطحبه واتخذه كاتبًا.

ولازم ابن النبيه الأشرف موسى في إمارته التي اتسعت حتى شملت الرها وخلاط وميّافارقين ونصيبين وأجزاء واسعة من الجزيرة، وكان يتنقل معه بين مدنها، ويخلّد انتصاراته وأعياده ومدائحه في شعره. وتشهد قصائده بأنه عاش في كنفه حياةً رغدة بين الرياض ومجالس الأنس والطرب، حتى توفي بنصيبين سنة 619هـ.

وليس ابن النبيه من أصحاب القامات الشعرية الشامخة كالمتنبي وأبي تمام والبحتري والشريف الرضي، لكنه استطاع أن يحتل مكانة واضحة بين شعراء عصره بفضل لغة رقيقة، وخيال قريب، وروح مصرية تتسم بالدماثة وخفة الظل. وربما كان هذا القرب من الوجدان أحد أسباب ذيوع شعره، إذ وجد فيه أهل الغناء مادة ملائمة للإنشاد والتلحين.

ومن أشهر قصائده قصيدته التي استهلها بقوله:

أفديه إن حفظ الهوى أو ضيّعا        ملك الفؤادَ فما عسى أن أصنعا

من لم يذق ظلمَ الحبيبِ كظلمه        حُلوًا، فقد جهل المحبةَ وادّعى

يا أيها الوجهُ الجميلُ تداركِ الصبَّ   النحيلَ فقد عفا وتضعضعا

ثم ينتقل من الغزل إلى مدح الأشرف موسى: 

الله أبدى البدرَ من أزراره        والشمسَ من قسمات موسى أطلعا

الأشرفُ الملكُ الذي ساد الورى   كهلاً ومكتملَ الشبابِ ومرضعا

وقد غنّت أم كلثوم من هذه القصيدة ستة أبيات على لحن الشيخ أبي العلا محمد، وسجلتها على أسطوانة جرامفون سنة 1928م، فأسهم الغناء في إعادة شعر ابن النبيه إلى الأسماع، بعد قرون من قوله.

ولم تكن هذه القصيدة وحدها مما استمال أهل الطرب؛ فقد غنت أم كلثوم أيضًا قصيدته:

أمانًا أيها القمرُ المطلُّ            ففي جفنيكَ أسيافٌ تُسَلُّ

يزيد جمالُ وجهكَ كلَّ يومٍ        ولي جسدٌ يذوبُ ويضمحلُّ

وما عرف السقامُ طريقَ جسمي  ولكن دلَّ من أهوى يدلُّ

ثم يتخلص الشاعر من الغزل إلى المديح فيقول:

أبو الفتح الكريمُ الطلقُ موسى    فتىً يُعطي الكثيرَ ويستقلُّ

به اخضرّت فجاجُ الأرض خصبًا   فما للمَحْلِ في بلدٍ مَحَلُّ

وتكشف هذه النماذج عن قدرة ابن النبيه على بناء القصيدة من الداخل؛ فيبدأ بالغزل، ويستدرج السامع بموسيقاه ورقته، ثم ينتقل إلى المديح انتقالًا طبيعيًا لا يفسد وحدة القصيدة.

ولابن النبيه شعر رقيق في الحب والشكوى، يقول:

وما زالتْ عشّاقُ الهوى في مذهبِ الهوى  يفرّقها بينٌ ويجمعها شملُ

وصبٌّ يعاني الغانياتِ وقلبُه             تكلّمه الألحاظُ والحدقُ النجلُ

ألا إن قلبي قد أصابته أسهمٌ        من البينِ حتى النصلُ صادفه النصلُ

كما يصف لوعة العاشق وهجر المحبوب في أبيات تجمع بين رقة التعبير وخفة الموسيقى:

ما خلتُ ذاك الوجهَ لما أن بدا      في جنح ليلِ شعره إلا قمرْ

وهو فما ظنَّ دموعَ مقلتي        بما جرى من فيضها إلا مطرْ

مخالفٌ إن قلتُ: دع زيارتي      زار، وإن قلتُ له: صِلني هجرْ

ولم يكن شعره مقصورًا على الغزل والمديح، بل كان شاعر طبيعة ومجالس أنس، يستمد من المشهد الخارجي صورًا شفافة، فيقول:

قِسْ بالسماءِ الأرضَ تعلمْ أنها      بكواكبِ الأزهارِ أحسنُ زخرفِ

أحداقُ نرجسها لخدِّ شقيقها        مبهوتةٌ بجماله لم تطرفِ

ويصف مجلسًا تتعانق فيه الرياض والماء والغناء:

نحن في روضةٍ وزهرٍ ونهرٍ       ومدامٍ كالشمسِ من كفِّ بدرِ

ومغنٍّ قد راسلته الشحاريرُ        فأغنت عن جسِّ عودٍ وزمرِ

غير أن أشهر ما بقي من شعر ابن النبيه تلك الأبيات التي قالها في رثاء الأمير علي، ابن الخليفة الناصر لدين الله، والتي تحولت مع الزمن إلى حكمة يتداولها الناس في العزاء والمصائب:

الناسُ للموتِ كخيلِ الطِّرادِ      فالسابقُ منها الجيادُ

واللهُ لا يدعو إلى داره         إلا من استصلح من ذي العبادِ

والموتُ نقّادٌ على كفّه         جواهرٌ يختارُ منها الجيادِ

والمرءُ كالظلِّ ولا بدَّ أن        يزولَ ذاك الظلُّ بعد امتدادِ

وفي هذه الأبيات يتجاوز ابن النبيه حدود المناسبة إلى تأمل المصير الإنساني، فيغدو الموت قوةً لا تستثني أحدًا، وتتحول التجربة الخاصة إلى حكمة عامة تتردد على الألسنة.

وهكذا تكشف تجربة ابن النبيه عن شاعر لم يبلغ منزلة كبار شعراء العربية، لكنه امتلك ما يضمن للشعر بقاءه: صفاء العبارة، وعذوبة الموسيقى، ورقة الوجدان، وخفة الروح. ولذلك ظل شعره قابلًا للغناء والإنشاد، قريبًا من الذائقة، لا تثقله الصنعة ولا تحجبه المحسنات. ومن هنا جاءت قدرته على العبور من ديوان الشعر القديم إلى ذاكرة الغناء العربي الحديث، ليظل صوته، بعد قرون، حاضرًا في الأسماع والقلوب:

سقيا لقربك والأيامُ عاطفةٌ            والقلبُ يسحب أذيالَ الهنا جذلًا     

والسمعُ قد صمَّ عن نجوى عواذله   وسيفُ جفنك عندي يسبق العذلا

لهفي عليك، وهل لهفٌ بنافعةٍ         إذا تحدّر دمعُ العينِ وانهملا.

التعليقات

اترك تعليقاً