
الغاز الأمريكي.. اتجهت ناقلتا غاز طبيعي مسال محملتان بشحنات أمريكية إلى أوروبا بدلًا من مواصلة مسارهما إلى الأسواق الآسيوية، في تطور يعكس التحولات المتسارعة في تجارة الطاقة العالمية، مع تراجع الطلب الفوري على الغاز في بعض الأسواق الآسيوية، وسعي الدول الأوروبية إلى تعزيز مخزوناتها قبل حلول فصل الشتاء.
ويأتي تغيير مسار الناقلتين في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات تتعلق بانخفاض مخزونات الغاز مقارنة بالمستويات المسجلة خلال السنوات السابقة، وسط استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، ما يجعل الشحنات الأمريكية عنصرًا مهمًا في تلبية احتياجات القارة خلال موسم التدفئة.
وتشير هذه التطورات إلى انفراجة محتملة في توافر شحنات الغاز الطبيعي المسال داخل السوق الأوروبية على المدى القصير، لكنها لا تعني انتهاء أزمة الإمدادات، خاصة مع احتمال عودة المنافسة بين أوروبا وآسيا عندما ترتفع احتياجات التدفئة خلال الأشهر المقبلة.
الغاز الأمريكي.. تراجع الطلب الآسيوي يتيح شحنات إضافية لأوروبا
شهدت الأسواق الآسيوية تراجعًا في شهية بعض كبار مستوردي الغاز الطبيعي المسال للشراء الفوري خلال الفترة الحالية، وهو ما قد يتيح تحويل مزيد من الشحنات إلى أوروبا، التي تسعى إلى إعادة بناء احتياطياتها من الغاز قبل ارتفاع الاستهلاك الموسمي.
ويمثل هذا التطور تحولًا عن الأشهر الأولى من العام، عندما اندفع المشترون الآسيويون إلى تأمين إمدادات إضافية من الولايات المتحدة ومصادر أخرى لتعويض النقص الناتج عن اضطرابات تدفقات الغاز من الشرق الأوسط بسبب الحرب مع إيران.
ومع استمرار القيود على الإمدادات، أصبحت وجهة شحنات الغاز مرتبطة بدرجة أكبر بمستويات الطلب والأسعار والقدرة على تحقيق عائد أفضل للموردين. وقد يمنح ضعف الطلب الآسيوي المؤقت أوروبا فرصة للحصول على كميات إضافية، خصوصًا في ظل الحاجة إلى الاستعداد لفصل الشتاء.
وأظهرت بيانات تتبع السفن التي جمعتها «بلومبرج» أن ناقلة الغاز الطبيعي المسال «شراعوه» (Shra’Ouh)، التي كانت تتجه في البداية إلى الهند، غيرت مسارها شمالًا، وأشارت إلى المملكة المتحدة باعتبارها وجهتها المحتملة التالية.
كما غيرت ناقلة «الخرارة» (Al Kharrarah) مسارها، بعدما كانت متجهة إلى أحد المسارات الرئيسية نحو آسيا، لتتجه شمالًا صوب بلجيكا.
ويعكس تغيير وجهة الناقلتين مدى مرونة تجارة الغاز الطبيعي المسال، إذ يمكن أن تتغير مسارات الشحن وفقًا للطلب والأسعار وظروف الإمدادات في الأسواق الرئيسية.
الغاز الأمريكي.. أوروبا تسابق الزمن لتعزيز مخزون الغاز قبل الشتاء
تواجه الدول الأوروبية ضغوطًا متزايدة لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي قبل موسم التدفئة، في ظل انخفاض مستويات التخزين مقارنة بالأعوام الماضية واستمرار حالة عدم اليقين بشأن تدفقات الغاز العالمية.
وتشير بيانات حديثة إلى أن مخزونات الغاز الأوروبية بلغت نحو 72% من سعتها في 3 أكتوبر 2026، مقارنة بنحو 83% في التوقيت نفسه من عام 2025، ونحو 94% في عام 2024، ما يبرز حجم التحدي الذي تواجهه القارة قبل ارتفاع الطلب الشتوي.
وتعتمد أوروبا بصورة متزايدة على واردات الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجاتها، مع استمرار اضطرابات الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط. كما أسهمت الأسعار وظروف السوق في تعزيز جاذبية الوجهة الأوروبية لبعض الشحنات الأمريكية خلال الفترة الأخيرة.
ووفق بيانات نقلتها «إس آند بي جلوبال»، استقبلت أوروبا وتركيا نحو 53% من شحنات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية التي وصلت إلى وجهاتها خلال سبتمبر، في مؤشر على استمرار أهمية السوق الأوروبية بالنسبة إلى صادرات الغاز الأمريكي قبل الشتاء.
لكن قدرة أوروبا على الاستفادة من الشحنات الإضافية ستظل مرتبطة باستمرار توافر الإمدادات، وتطور الأسعار، وسرعة وصول الناقلات، إلى جانب مستوى الطلب على الغاز خلال الأسابيع المقبلة.
منافسة جديدة بين أوروبا وآسيا على الغاز الطبيعي المسال
رغم أن تراجع الطلب الآسيوي يمنح أوروبا فرصة مؤقتة للحصول على شحنات إضافية، فإن المنافسة على الغاز الطبيعي المسال قد تتجدد بقوة مع انخفاض درجات الحرارة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
ومن المتوقع أن ترتفع احتياجات دول شمال شرقي آسيا من الغاز خلال ديسمبر ويناير، مع زيادة الطلب على التدفئة، وهو ما قد يدفع المستوردين إلى العودة للسوق الفورية وتأمين كميات أكبر من الوقود.
وقال محللو شركة «إنرجي أسبكتس» إن الطلب الفوري في شمال شرقي آسيا لا يزال ضعيفًا خلال الفترة الانتقالية بين المواسم، لكنهم يتوقعون زيادة المشتريات خلال شهري ديسمبر ويناير مع ارتفاع احتياجات التدفئة.
ويعني ذلك أن الانفراجة الحالية في سوق الغاز قد تكون مؤقتة، إذ يمكن أن تتغير اتجاهات الشحنات مرة أخرى إذا ارتفع الطلب الآسيوي أو أصبحت الأسعار في آسيا أكثر جاذبية من السوق الأوروبية.
وتظل الأسعار النسبية في الأسواق المختلفة، وتكاليف الشحن، وتوقيت التسليم، من العوامل الرئيسية التي تحدد الوجهة النهائية لشحنات الغاز الطبيعي المسال.
اضطرابات مضيق هرمز تزيد مخاطر سوق الطاقة
لا تزال إمدادات الغاز الطبيعي المسال تواجه تحديات بسبب استمرار الاضطرابات المرتبطة بالحرب مع إيران وتأثيرها على حركة الطاقة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الوقود في العالم.
ورغم تسجيل ارتفاع في حركة شحنات الغاز عبر المضيق خلال الأسابيع الأخيرة، فإن التدفقات لا تزال أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية قبل اندلاع الصراع، وفق بيانات وتقارير حديثة عن سوق الغاز.
ويزيد استمرار هذه الاضطرابات من صعوبة التنبؤ بمستقبل الإمدادات، إذ قد يؤدي أي تصعيد جديد إلى تقليص الكميات المتاحة في الأسواق العالمية، ورفع حدة المنافسة بين المشترين الأوروبيين والآسيويين.
وفي هذا السياق، ترى «إنرجي أسبكتس» أن التوصل إلى حل سريع للصراع بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال مستبعدًا، ما يعني استمرار حالة عدم اليقين بشأن إمدادات الطاقة خلال الفترة المقبلة.
هل تنخفض أسعار الغاز مع تغير مسارات الناقلات؟
قد يسهم تحويل بعض الشحنات الأمريكية إلى أوروبا في تخفيف ضغوط الإمدادات على المدى القصير، خصوصًا إذا استمر ضعف الطلب الآسيوي ووصلت الشحنات الإضافية في الوقت المناسب لإعادة ملء المخزونات الأوروبية.
لكن انخفاض الأسعار ليس أمرًا مضمونًا، لأن السوق لا تزال تتأثر بحجم الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، وسرعة تعافي التدفقات عبر مضيق هرمز، ومستويات الطلب الموسمي في أوروبا وآسيا.
ومع اقتراب الشتاء، ستظل تحركات ناقلات الغاز الطبيعي المسال مؤشرًا مهمًا على تغير موازين العرض والطلب، في وقت تسعى فيه الدول المستوردة إلى تأمين احتياجاتها وتقليل مخاطر نقص الوقود.
وبناءً على ذلك، تمثل وجهة الناقلتين «شراعوه» و«الخرارة» تطورًا لافتًا في حركة تجارة الغاز العالمية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم بانتهاء أزمة الإمدادات، خاصة مع احتمالات عودة المنافسة على الشحنات عندما يرتفع الطلب على التدفئة.

التعليقات