التخطي إلى المحتوى

لسنواتٍ طويلة، ظلَّ الطريق إلى عالم الكتابة والنشر في مصر محفوفًا بالصعوبات، خاصة أمام الشباب الذين لا يملكون سوى موهبتهم؛ فقد يستغرق الكاتب سنوات في إنجاز عمله، وما إن ينتهي منه حتى يبدأ رحلة أخرى لا تقل صعوبة: رحلة النشر، فيرسل مخطوطته إلى دور النشر، ثم ينتظر ردًّا قد لا يأتي، وإذا جاء، يجد نفسه أمام احتمالين: الرفض، أو القبول المشروط، الذي تليه مرحلة جديدة من التفاوض حول شروط النشر وتكاليفه، فإما أن يخضع لهذه الشروط، أو ينسحب متخليًا عن أحلامه.

لكن مع انتشار منصات النشر الذاتي الإلكتروني، لم يعد الكاتب مضطرًا إلى خوض هذه الرحلة الطويلة للوصول إلى القُرَّاء؛ إذ أتاحت له نشر أعماله مباشرة، دون المرور بالخطوات التي يفرضها مسار النشر التقليدي، ولم يقتصر دور هذه المنصات على إتاحة النشر الإلكتروني، بل أصبحت، بالنسبة إلى كثير من الشباب، بوابة أولى نحو النشر الورقي؛ إذ تتيح للكاتب بناء قاعدة جماهيرية واختبار مدى الإقبال على عمله، وقد تلفت بعض الأعمال انتباه دور النشر، فتسعى إلى التعاقد مع أصحابها.

هذا التحوّل يطرح تساؤلات حول مصير المشهد الأدبي المصري: هل فتحت هذه المنصات الباب أمام مواهب ربما لم تكن لتصل إلى القارئ عبر النشر التقليدي؟ أم أن سهولة النشر، خاصة في ظل محدودية الرقابة، جاءت على حساب مستوى الكتابة وجودتها؟

من النشر الذاتي الورقي إلى “واتباد”

ولم يبدأ النشر الذاتي مع ظهور مواقع وتطبيقات النشر الإلكتروني؛ بل عرفه الكُتَّاب منذ وقت طويل، حين كان المؤلف يتولَّى طباعة عمله وتوزيعه على نفقته الخاصة، بعيدًا عن دور النشر التقليدية، ومع انتقال هذا النموذج إلى البيئة الرقمية، اتسعت فرص انتشاره؛ ففي عام 2007، وبالتزامن مع إطلاق أول جهاز “أمازون كيندل” للقراءة، أتاحت أمازون للمؤلفين نشر كتبهم بأنفسهم، وبعد نحو ثلاثة أعوام، أتاحت “Google Books” الإمكانية نفسها، بعدما كانت قد أطلقت عام 2004 مشروعًا لرقمنة الكتب وإتاحتها للقراءة مجانًا. 

وبينما كانت النماذج الأولى للنشر الذاتي الإلكتروني تركز على إتاحة الكتاب الإلكتروني ونشره وبيعه، جاءت منصات أحدث بنموذج أكثر مرونة، لا يقوم بالضرورة على بيع الكتاب وتحقيق الربح منه منذ البداية، وإنما يتيح للكاتب نشر أعماله والوصول إلى القُرَّاء مجانًا.

ومن أبرز هذه المنصات “Wattpad”، التي لم يعد حضورها مقتصرًا على الأسواق الغربية؛ إذ أصبحت معروفة بين القُرَّاء والكُتَّاب العرب، ومن بينهم المصريون، وتتميز بنموذج الكتابة الاجتماعية والتفاعلية؛ إذ ينشر الكاتب عمله عبر حسابه، ويتابع ردود فعل القُرَّاء من خلال التعليقات والتقييمات والمتابعة. 

وقد بلغت قاعدة مستخدميها نحو 87.1 مليون مستخدم عالميًا، حتى الربع المنتهي في 30 سبتمبر/ ايلول 2024، وفقًا لآخر تقرير أصدرته شركة “WEBTOON Entertainment” المالكة للمنصة، وفي حين لا تتوافر إحصائيات رسمية توضّح حجم المستخدمين العرب أو المصريين، يمكن ملاحظة حضورها، من خلال انتشار تعبير “روايات الواتباد” لوصف هذه النوعية من الأعمال.

أما منصة “كتبنا”، فتقدم نموذجًا أقرب إلى النشر الذاتي التجاري؛ إذ تتيح للكاتب نشر أعماله والترويج لها وبيعها، مع توفير النسخ الإلكترونية للقراءة والتحميل، ويُطرح الكتاب مجانًا في البداية، ثم يصبح مدفوعًا بعد تحقيق عدد معين من التحميلات، كما تتيح المنصة لبعض العناوين إصدار نسخ مطبوعة، وقد وصلت بعض إصداراتها إلى قوائم جوائز أدبية، من بينها رواية “خيفا” لأحمد فرحات، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب.

فيما تتيح “كتوباتي” للمستخدمين قراءة الكتب مجانًا داخل المكتبة الرقمية، بينما يمنح الاشتراك المدفوع مزايا إضافية، مثل تحميل الكتب، ومن أبرز ما يميز المنصة اعتمادها على بيانات تفصيلية عن تفاعل القُرَّاء؛ إذ تعرض عدد القراءات والتقييمات وساعات القراءة، ممَّا يمنح الكاتب صورة أوضح عن مدى اهتمام الجمهور بأعماله، ويساعد على رصد اتجاهات النشر والقراءة الرقمية لدى الجمهور العربي. 

أما “رواياتي”، فتتخصَّص أكثر في الرواية المتسلسلة، إذ تتيح للكُتَّاب نشر أعمالهم على فصول متتابعة، فيما يستطيع القُرَّاء متابعة الروايات والتفاعل معها أثناء نشرها، وهو ما يجعل عنصر الاستمرارية جزءًا أساسيًا من تجربة المنصة، وتقدم المنصة خدماتها مجانًا، ولا توفر نظامًا لتحقيق عائد مادي من نشر الأعمال، على الأقل حتى الآن.

فيما تختلف “مكتبة نور” عن غيرها في أنها لا تقتصر على النشر الذاتي، بل تضم أيضًا كتبًا عربية وعالمية صادرة عن دور نشر مختلفة، ما يجعلها مكتبة رقمية واسعة تتيح للقُرَّاء الوصول إلى عدد أكبر من الكتب للقراءة والتحميل مجانًا.

بين حرية النشر والمراجعة

وتتفاوت درجة المراجعة التي تخضع لها الأعمال قبل نشرها من منصة إلى أخرى؛ فبينما تتيح “Wattpad” للكاتب نشر قصته مباشرة دون المرور بمراجعة، تخضع الأعمال في “كتوباتي” للتحقيق قبل إتاحتها للجمهور، إذ تظل الأعمال المرفوعة قيد المراجعة قبل إخطار المؤلف بقرار النشر.

كما وضعت بعض المنصات، مثل “رواياتي”، قيودًا على الوصول إلى المحتوى المصنف “+18″، حيث تتيح للمستخدم خاصية التحكم في ظهوره أو حجبه، وبوجه عام، تلتزم أغلب المنصات بمجموعة من القواعد التي تنظم نشر المحتوى، من أبرزها احترام حقوق الملكية الفكرية، وعدم نشر محتوى مسيء أو مخالف للقوانين، وعدم انتحال شخصية كاتب أو مستخدم آخر.

كيف غيّرت المنصات طريقة الكتابة والقراءة؟

ورغم اختلاف طبيعة هذه المنصات وطريقة عمل كل منها، فإنها تمنح الكاتب مرونة أكبر في نشر أعماله؛ إذ تتيح له نشر الروايات والقصص على فصول متتابعة، وتعديل النص أو تحديثه بعد نشره، كما تتيح له متابعة ردود فعل القُرَّاء أولًا بأول، ليصبحوا جزءًا من رحلة الكتابة، ما يخلق علاقة أكثر مباشرة بين الكاتب وجمهوره.

وعلى مستوى الكتابة، تتسم الأعمال المنشورة عبر هذه المنصات بالإيقاع السريع وقِصر الجمل والفقرات، إلى جانب الاعتماد بشكل أساسي على الحوارات المباشرة، واللغة العامية أو الفصحى البسيطة، وهي سمات تتناسب مع طبيعة القارئ، الذي يميل إلى القراءة السريعة.

من المنصة إلى النشر الورقي

وبينما يلجأ كثير من الشباب إلى هذه المنصات باعتبارها بديلًا عن النشر الورقي بعد تعثر محاولاتهم، تكشف تجارب بعض الكُتَّاب عن مسارات مختلفة، من بينها تجربة أنوش أحمد، إحدى الكاتبات على منصة “Wattpad” والملقَّبة بـ”إمبراطورة الدراما”، التي تقول إنها لم تكن تخطط لدخول مجال الكتابة، لكنها بدأت نشر قصصها منذ سنوات عبر “YouTube”، وبعد أن حققت أعمالها ملايين المشاهدات، انتقلت إلى “Wattpad”، ومع الوقت تحولت الكتابة بالنسبة إليها من مجرد وسيلة للهروب من الواقع إلى شغف، وأصبح النشر الورقي هدفها الأكبر، مشيرةً إلى أن الفانتازيا والدراما الرومانسية من أكثر التصنيفات جذبًا للقُرَّاء، وهو ما دفعها إلى اختيار الكتابة فيهما. 

ولم يقتصر تأثير النشر الذاتي على إتاحة فرص جديدة للكُتَّاب، بل امتد إلى ظهور أعمال حرة مرتبطة بالترويج، ومن بين هذه النماذج رودي أحمد، التي تقول إن تجربتها في هذا المجال بدأت عندما اكتشفت موهبتها في التصميم، رغم أن دراستها الجامعية لا ترتبط به، ويتمثل عملها في تصميم أغلفة الروايات، إلى جانب إعداد الصور الترويجية لها، ونشرها عبر مجموعات “Facebook” المهتمة بالقراءة والروايات.

من ناحية أخرى، تقول د. لنا عبد الرحمن، كاتبة وناقدة أدبية، إن هذا النوع من النشر أسهم في توجيه خيارات الجمهور، خاصة المراهقين والشباب، بعيدًا عن التصنيفات التقليدية؛ فبعد أن كانت اهتمامات الفتيات تتركز في الرومانسية والفتيان في المغامرات، أصبح هناك إقبال على أدب الديستوبيا، والخيال العلمي، والرومانسية السوداء، مشيرة إلى أن هذا النوع من المحتوى قد يمنح القُرَّاء شعورًا سريعًا بالامتلاء، لكنه في المقابل يفتقر إلى العمق والخبرة الحياتية، وتغلب عليه أحيانًا اللغة اليومية، بما يبتعد عن الأسلوب الأدبي الرصين، وهو ما ينعكس بدوره على علاقة الشباب بالأدب الكلاسيكي؛ فمع الاعتياد على هذا النمط السريع والمباشر من القراءة، يصبح من الصعب على بعضهم تقبُّل النصوص الأدبية الطويلة، أو تلك التي تتطلب قدرًا أكبر من التركيز لاستيعابها.

وتتبنَّى هذا الرأي أيضًا آية الله فايز عبد الملك، مدرس المكتبات بقسم الوثائق والمكتبات والمعلومات بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر؛ إذ ترى أن النشر الذاتي يحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية؛ فمن ناحية، “يطلق العنان للمؤلف” ويمنحه مساحة أكبر لاتخاذ القرارات المتعلقة بعمله، دون قيود الناشر التقليدي، ومن ناحية أخرى، يفتح الباب أمام انتشار عدد كبير من الكتب والروايات، التي تعاني من الركاكة اللغوية، أو تتضمن محتوى يفتقر إلى المعايير الأخلاقية.

وتشير عبد الملك إلى أن الكتب باللغة الإنجليزية تصدَّرت الإنتاج الفكري الإلكتروني المنشور ذاتيًّا؛ إذ بلغت نسبتها 91% من إجمالي الكتب عالميًّا حتى عام 2020، مقابل نسبة محدودة للكتب العربية، وهو ما تُرجعه إلى أن تجربة النشر الذاتي العربية لا تزال في بدايتها مقارنة بالإنجليزية، وعلى مستوى المجالات، تصدر قطاع الآداب بنسبة بلغت 48% من إجمالي الإنتاج الفكري، وقد تناولت الباحثة هذه النتائج في كتابها “النشر الذاتي للكتب الإلكترونية.. الواقع والمستقبل”، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2024.

وتضيف أن اتجاه الجمهور إلى القراءة الإلكترونية، والذي بدأ منذ عام 2020 في ظل تداعيات جائحة كورونا، أسهم في تنشيط حركة النشر الذاتي الإلكتروني، خاصة بعدما نجح هذا النمط في جذب الشباب الذين ليست لديهم خبرة سابقة في مجال النشر، إلى جانب المؤلفين الذين واجهوا تضييقات من دور النشر، بسبب عدم توافق أعمالهم مع سياساتها التحريرية.

ومع تزايد اعتماد الشباب على منصات النشر الذاتي، تبرز مخاوف من تحوّل هذا النموذج من مُنافس للنشر التقليدي إلى بديل عنه، خاصة مع ما توفره منصات النشر الإلكتروني من مزايا، أبرزها سهولة الوصول إلى الأعمال، وانخفاض تكلفتها، وسرعة انتشارها، وهو ما قد ينعكس على إقبال القُرَّاء على شراء الكتب الورقية، وعلى دور النشر والمكتبات التي تعتمد عليها.

ومع ذلك، فإن استمرار توجُّه بعض الكُتَّاب إلى إصدار أعمالهم ورقيًّا، إلى جانب استمرار إقبال القُرَّاء على شراء الكتب رغم ارتفاع أسعارها، يشير إلى أن لكلٍّ من النموذجين دوره وجمهوره، وأنهما قد يتعايشان في سوق الكتاب، وإن اختلفت حصة كلٍّ منهما.

التعليقات

اترك تعليقاً