واشنطن – يتجه العراق إلى احتلال موقع محوري في تحديد مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل احتفاظ طهران بنفوذ واسع داخل المؤسسات السياسية والأمنية العراقية، رغم الضغوط الأميركية المتزايدة وفي ظل الانسحاب العسكري للتحالف الدولي وفق تحليل نشره منتدى الخليج الدولي “غولف إنترناشونال فوروم”.
ويرى المنتدى البحثي أن الرهان على إضعاف إيران لا يمكن أن يقتصر على الضغط العسكري والاقتصادي المباشر، إذ تظل شبكة علاقاتها داخل العراق أحد أهم مصادر نفوذها الإقليمي. ويعتبر أن التعامل الأميركي مع بغداد بمنطق إجبارها على الاختيار العلني بين واشنطن وطهران قد يأتي بنتائج عكسية، ويدفع القوى العراقية إلى مزيد من الاستقطاب بدلا من تقليص حضور الجماعات المرتبطة بإيران.
ويكتسب العراق هذه الأهمية من تداخل النفوذ الخارجي مع بنية الدولة نفسها. فالفصائل المسلحة الموالية لطهران لا تعتمد على قدراتها العسكرية وحدها، بل راكمت خلال سنوات طويلة حضورا سياسيا ومصالح اقتصادية وشبكات داخل مؤسسات حكومية، الأمر الذي يجعل تفكيك نفوذها عملية معقدة لا يمكن إنجازها بقرارات سريعة أو ضغوط أحادية الجانب.
ويحذر المنتدى من أن محاولة إقصاء هذه الفصائل بالقوة السياسية أو الأمنية، من دون مراعاة التوازنات الداخلية، قد تفتح الباب أمام اضطرابات وصدامات داخلية تستفيد منها إيران لتعزيز موقعها. وتقترح بدلا من ذلك توظيف التعاون الاستخباري مع الأجهزة العراقية للتمييز بين الجماعات التي تتحرك وفق ارتباطات أيديولوجية بطهران وتلك التي تحافظ على نفوذها بدافع المصالح الاقتصادية والسياسية، بما يتيح التعامل مع كل منها بصورة مختلفة.
وتتزامن هذه التحديات مع تحول مهم في الوجود الأميركي، بعدما غادرت القوات الأميركية وقوات التحالف مواقعها العسكرية المتبقية في العراق مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري. لكن الانسحاب لا يعني انتهاء التنافس بين واشنطن وطهران، إذ تظل الولايات المتحدة حاضرة عبر علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، بينما تحتفظ إيران بروابط سياسية واجتماعية واقتصادية راسخة داخل العراق.
وفي مواجهة هذه المعادلة، يسعى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى فرض سلطة الدولة على السلاح، محددا 30 يونيو/ حزيران 2027 موعدا نهائيا لاستكمال العملية. وتتضمن الخطة مرحلة أولية مدتها 90 يوما لوقف هجمات الفصائل، تمهيدا لتسليم أسلحتها، غير أن نجاحها يظل مرتبطا بمدى استعداد الجماعات المسلحة للتعاون وبقدرة الحكومة على احتواء التداعيات السياسية والأمنية.
ولا يتوقف مستقبل الصراع على نتائج المواجهة العسكرية المباشرة فحسب، بل يتصل أيضا بقدرة بغداد على منع أراضيها من التحول إلى منصة لتبادل الضربات أو ساحة لتصفية الحسابات. فنجاح الحكومة في تعزيز استقلال قرارها الأمني قد يحد من قدرة الطرفين على استخدام العراق ورقة ضغط، بينما قد يؤدي فشلها إلى توسيع مساحة المواجهة وإطالة أمدها.

التعليقات