التخطي إلى المحتوى

المحاماة بين هيبة العدالة وبريق الشهرة – أخبار السعودية

whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

ليست المحاماة مجرد مهنة يترافع صاحبها أمام القضاء، بل أمانة تقوم على حماية الحقوق، وصون الأسرار، وإقامة الحجة، والمشاركة في تحقيق العدالة. والمحامي حين يتولى قضية لا يتسلم ملفاً من الأوراق فحسب؛ بل يُؤتمن على مصالح الناس وسمعتهم، وربما على أكثر تفاصيل حياتهم خصوصية. ومن هنا اكتسبت المحاماة هيبتها، لا من الألقاب أو الظهور، بل من الثقة التي يضعها المجتمع فيمن يحمل رسالتها. ولذلك فإن أخطر ما قد يصيب هذه المهنة أن تختلط أمانة الدفاع عن الحقوق ببريق الشهرة، وأن تصبح قضايا الناس وسيلة لصناعة الحضور الإعلامي.

لقد شهدت المملكة توسعاً ملحوظاً في حضور المحامين عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وهو تطور محمود متى كان هدفه نشر الثقافة القانونية وتعريف المجتمع بحقوقه. غير أن بعض الممارسات كشفت عن خلط يستحق المعالجة؛ بين التوعية القانونية واستعراض الخصومات، وبين إبداء الرأي المهني وصناعة الإثارة، وبين التعريف بالخدمات القانونية والكشف عن تفاصيل القضايا. فالمحامي وكيل في الخصومة، وليس مالكاً لأسرارها، وما يطّلع عليه بحكم مهنته لا يتحول إلى مادة مباحة للنشر لمجرد امتلاكه القدرة على الوصول إلى الجمهور.

ومن هنا تبرز أهمية ما تقوم به وزارة العدل من تعزيز متابعة الممارسة المهنية ورصد التجاوزات وتفعيل الضوابط القائمة. ولعل ما يُحسب للوزارة في هذا التوجه أنها تدرك أن تطوير المنظومة العدلية لا يقتصر على تحديث الإجراءات وتسريع الخدمات، بل يمتد إلى الارتقاء بسلوك الممارسين أنفسهم. فالتنظيم لا يكتمل بوضع القواعد، وإنما بمتابعة أثرها، ومعالجة مواطن الخلل، وترسيخ ثقافة مهنية تدرك أن المحاماة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً. فهيبة المحاماة لا يحفظها الترخيص وحده، بل السلوك الذي يستحق ذلك الترخيص.

وللمسألة أساس نظامي واضح؛ فالمادة التاسعة من نظام المطبوعات والنشر تحظر نشر وقائع التحقيقات أو المحاكمات دون الحصول على إذن من الجهة المخولة نظاماً، كما أرست قواعد السلوك المهني للمحامين التزامات تتعلق بحماية أسرار العملاء وخصوصيتهم، ومراعاة مقتضيات التحقيق والمحاكمة، وتجنب التضليل والإخلال بشرف المهنة. وهذه الأحكام ليست قيوداً شكلية على حرية المحامي، بل ضمانات لحماية المتقاضين وسلامة الإجراءات والثقة بالمرفق العدلي.

وثمة مسألة قانونية تستحق التأكيد: موافقة الموكل على الحديث عن قضيته لا تعني بالضرورة جواز نشر تفاصيلها كافة؛ فقد تتعلق المعلومات بحقوق خصوم أو شهود، أو بإجراءات تحقيق ومحاكمة تخضع لضوابط مستقلة. كما أن القضية المنظورة لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة موازية على المنصات، تُختزل فيها الأدلة، وتُستبق الأحكام، ويصبح فيها التأثير على الرأي العام بديلاً عن الحجة أمام القضاء.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى إقصاء المحامين عن الإعلام؛ فالمجتمع بحاجة إلى أصوات قانونية مؤهلة تشرح الأنظمة وتثري النقاش العام. لكن المطلوب هو وضوح الحدود المهنية، وتعزيز التوعية بها، وتفعيل المساءلة عند تجاوزها، مع التمييز بين المخالفة المهنية والرأي القانوني المشروع. فالظهور الإعلامي للمحامي امتداد لمسؤوليته المهنية، وليس استثناءً منها.

والأثر الأعمق لهذا التوجه لا يقف عند ردع التجاوزات، بل يمتد إلى تعزيز ثقة المجتمع بالمحاماة، وحماية خصوصية المتقاضين، وترسيخ الاحترام الواجب للقضاء. وهذه هي القيمة المؤسسية لجهود وزارة العدل؛ أن تظل جودة السلوك المهني موازية لجودة الخدمات العدلية، وأن يدرك كل ممارس أن ما يقوله خارج قاعة المحكمة قد يكون امتداداً لما اؤتمن عليه داخلها.

فالمحاماة لا تعادي الشهرة، لكنها لا تقبل أن تكون الشهرة على حساب الأمانة. والمحامي لا يحتاج إلى قضايا موكليه ليصنع اسمه؛ علمه وأمانته وأداؤه هي التي تصنعه. وحين تُصان أسرار المتقاضين، لا تُحمى كرامة المحاماة وحدها، بل تُحمى هيبة العدالة نفسها.

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً