التخطي إلى المحتوى

ليس من الموضوعية اختزال مرحلة صدام حسين في صورة واحدة، كما أن معارضة سياساته وحروبه وقمعه لا ينبغي أن تمنع من قراءة ما حدث للعراق والمنطقة بعد سقوطه، فإسقاط نظام سياسي شيء، وإعادة تشكيل موقع دولة بحجم العراق داخل التوازنات الإقليمية شيء آخر.

بعد أكثر من عقدين على عام 2003، تبدو النتيجة الأبرز أن العراق لم يستعد دوره كقوة إقليمية، بل تحول الى ساحة تتقاطع فيها نفوذ قوى متعددة، وفي مقدمتها إيران والولايات المتحد، فقد ترسخ النفوذ الإيراني داخل شبكات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية، في حين احتفظت واشنطن بأدوات نفوذ عسكرية ومالية مهمة.

وهكذا انتقل العراق من كونه لاعبا في المعادلة الإقليمية الى كونه جزءا من صراعاتها. وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في عام 2026، مع استمرار التوتر الأميركي ـ الإيراني، ووجود جماعات مسلحة تنطلق من الأراضي العراقية، بينما تحاول بغداد منع تحول البلاد الى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

المفارقة أن سقوط النظام منح الكرد والشيعة مكاسب سياسية وتغييرات دستورية مهمة بعد عقود من التهميش والقمع، لكنه لم ينتج الدولة المستقرة التي كان العراقيون يتطلعون إليها، فالإقليم الكوردي لا يزال يواجه خلافات مع بغداد حول النفط والميزانية والمناطق المتنازع عليها، فيما وجد الشيعة أنفسهم في قلب نظام سياسي تحكمه المحاصصة وتتنازعه الأحزاب والنفوذ الخارجي.

أما العرب السنة، فقد انتقلوا من موقع سياسي مهيمن في الدولة السابقة الى واقع شديد التعقيد، كان من نتائجه صعود تنظيم “داعش” وتدمير مدن ومجتمعات واسعة.

وبذلك تغيرت مواقع القوة، لكن أزمة الدولة بقيت.

وربما كان السؤال الأخطر بعد 2003 هو: من يحكم العراق؟ ثم تحول تدريجيا الى سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع الدولة العراقية أن تحكم العراق فعلا؟

وتتجلى المشكلة في الاقتصاد والأمن معا، فالاقتصاد ما زال يعتمد بصورة كبيرة على النفط، بينما لم تحسم بصورة نهائية قضية السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة. وأصبح حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية أحد أبرز التحديات أمام الحكومة العراقية، وسط ضغوط داخلية وإقليمية متزايدة.

أما إيران، فقد كان سقوط صدام تحولا استراتيجيا كبيرا بالنسبة إليها، فقد انتقلت من التعامل مع العراق باعتباره خصما إقليميا الى بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية داخله. غير أن النفوذ الواسع لا يعني بالضرورة عراقا مستقرا؛ فالعراق الضعيف قد يوفر أدوات نفوذ، لكنه في الوقت نفسه يصبح مصدرا للمخاطر عندما يتحول الى ساحة للمواجهة بين طهران وواشنطن أو بينها وبين جيرانها العرب.

وهنا لا يمكن تجاهل أثر ذلك على النظام العربي، فقد كان العراق أحد مراكز الثقل الرئيسية في العالم العربي، ومع تراجع دوره ظهرت فراغات إقليمية ملأتها قوى أخرى، وتراجع مفهوم الأمن العربي المشترك أمام صعود ترتيبات جديدة تتداخل فيها إيران وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، الى جانب الجماعات المسلحة والصراعات العابرة للحدود.

لذلك فإن السؤال بعد 23 عاما لم يعد فقط: هل كان صدام ديكتاتورا؟ فهذا يمكن الإجابة عنه تاريخيا بوقائع كثيرة. وليس السؤال كذلك ما إذا كان العراقيون يستحقون نظاما أفضل؛ فهذا حق لا جدال فيه.

السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما يسقط النظام ولا تكون هناك دولة قوية قادرة على ملء الفراغ؟

التجربة العراقية تقدم إجابة واضحة: يمكن أن تتغير السلطة دون أن تستقر الدولة، وأن تتبدل موازين القوى الداخلية دون أن يتحقق الاستقرار، وأن يؤدي ضعف الدولة الى فتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية للتأثير في قرارها.

ولهذا فإن العراق لا يحتاج الى العودة إلى الماضي، ولا الى الارتهان لطهران أو واشنطن، ولا الى تكريس المحاصصة والسلاح خارج مؤسسات الدولة. ما يحتاجه هو استعادة الدولة وسيادتها وقرارها الوطني.

العراق القوي والمستقر ليس شأنا عراقيا فقط، بل يمثل أحد عناصر التوازن في المنطقة.

أما العراق الضعيف، المتنازع عليه، المفتوح أمام النفوذ والسلاح والصراعات الإقليمية، فليس مجرد أزمة عراقية.

إنه ثقب في جدار الأمن العربي كله.

التعليقات

اترك تعليقاً