التخطي إلى المحتوى

هل يمكن للأسواق التحوط من خطر الذكاء الاصطناعي؟

قد تكون الأسواق المالية بارعة في تسعير الخوف، لكنها تواجه مشكلة عندما يصبح الخطر نفسه أكبر من قدرة السوق على استيعابه.

 

فإذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد العالمي كما يتوقع المتفائلون، فإن المستثمرين يستطيعون البحث عن الشركات المستفيدة من موجة التحول.

 

وإذا بالغت التوقعات في تقدير الأرباح المستقبلية، يمكن بيع الأسهم أو التحوط من الانكشاف عليها.

 

لكن ماذا لو كانت المشكلة مختلفة تماماً؟ ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي بالغ القوة، وفي الوقت نفسه بالغ الخطورة إلى درجة لا يمكن معها لأي صفقة مالية أن توفر الحماية؟

 

 

أسئلة كبرى

 

أكثر من أي وقت مضى، أصبحت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تحرك الأسواق صعوداً وهبوطاً.

 

ففي مواجهة المتفائلين الذين يرون في الذكاء الاصطناعي قوة اقتصادية وتحولية هائلة، يقف المشككون الذين يرون أن العوائد الموعودة قد لا تتحقق.

 

لكن تياراً ثالثاً بدأ يبرز بين المستثمرين: ماذا لو كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة بالفعل على تحقيق ما يتوقعه المتفائلون، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر شديدة الخطورة؟

 

تتزايد المخاوف من ذكاء اصطناعي «غير متوافق» مع أهداف البشر، يمكنه اختراق أنظمة أخرى، أو تسهيل عمليات الاحتيال، أو تضليل المهندسين الذين يطورونه.

 

ويخشى باحثون في مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة من أن تساعد هذه الأدوات دولاً مارقة أو جماعات إرهابية على تطوير أسلحة بيولوجية.

 

ويرى بعض الباحثين أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تصل في أسوأ السيناريوهات إلى تهديد وجود البشر أنفسهم.

 

وعند هذه النقطة، تصبح فكرة طرح شركة ذكاء اصطناعي للاكتتاب العام أقل بريقاً؛ فمن الصعب الاحتفال باكتتاب أولي قد ينتهي بما يشبه “طرحاً نهائياً للجمهور”.

 

ضع أموالك حيث مخاوفك

 

يرى الاقتصادي “تايلر كوين” أن دعاة التشاؤم بشأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يضعوا أموالهم حيث توجد مخاوفهم.

 

فإذا كان كثير منهم يمنحون احتمالات مرتفعة لوقوع كارثة، فمن المفترض أن تبدأ هذه المخاطر في التأثير في الأسواق قبل وقوع الكارثة نفسها.

 

وبالتالي، يمكن للمتشككين في التكنولوجيا اختبار فرضياتهم من خلال التداول في الأسواق المالية.

 

وإذا نجحت رهاناتهم، فإن ذلك سيمنح توقعاتهم قدراً من المصداقية قبل وقوع الكارثة التي ستثبت صحتها في نهاية المطاف.

 

وهذه الفكرة المتعلقة بالمساءلة الفكرية تبدو منطقية.

 

وقد وصف أليكس تاباروك، أحد زملاء كوين، مثل هذا الرهان في السابق بأنه «ضريبة على الهراء».

 

لكن عندما يتعلق الأمر بالمخاطر القصوى للذكاء الاصطناعي، فإن تنفيذ هذه الرهانات يصبح أكثر تعقيداً.

 

الخوف يرفع قيمة بعض الأسهم

 

بعض الأضرار الأقل تطرفاً للذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل تنعكس في الأسواق.

 

فقد ساعدت المخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاختراق الإلكتروني على رفع قيمة أسهم شركات الأمن السيبراني مثل “كراود سترايك”.

 

ارتفع سهم الشركة بأكثر من الضعف خلال الأشهر الستة السابقة، ليصل تقييمه إلى نحو 200 مرة الأرباح المتوقعة للأشهر الاثني عشر التالية.

 

وهذا يعني أن الخوف، وليس الطمع وحده، يمكن أن يكون محركاً للأسواق.

 

وهناك استراتيجيات أكثر جرأة يمكن للمستثمرين القلقين بشأن الذكاء الاصطناعي تجربتها.

 

فإذا كانت شركات الأمن السيبراني تتداول بعلاوة بسبب ارتفاع الطلب المتوقع على خدماتها، فمن المنطقي افتراض أن الشركات الأكثر تعرضاً للاختراق والاحتيال قد تواجه خصماً في التقييمات.

 

وتشمل القطاعات الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر الرعاية الصحية والتمويل والاتصالات والنقل، بينما تكون الشركات الصغيرة والمتوسطة عادة أكثر هشاشة من الشركات الكبرى.

 

ومن بين الاستراتيجيات الممكنة شراء عقود مبادلة مخاطر الائتمان المرتبطة بديون البنوك الإقليمية، على سبيل المثال.

 

 

التأمين لا يملك الإجابة

 

في مواجهة أخطار تقليدية مثل الفيضانات وحرائق الغابات وحتى الإرهاب، يكون الحل المعتاد هو شراء التأمين.

 

لكن سوق التأمين ضد مخاطر الذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله الأولى.

 

حتى المخاطر المادية التي تواجه مراكز البيانات يصعب التأمين عليها.

 

ففي وقت سابق من العام، أصدر «مكتب خدمات التأمين» نموذجاً جديداً يستبعد الأضرار الناجمة عن الذكاء الاصطناعي التوليدي من نطاق واسع من المطالبات.

 

كما طلبت شركات كبرى من الجهات التنظيمية السماح لها باستبعاد هذه المخاطر الجديدة من وثائق التأمين.

 

وأدى هذا الحذر إلى ظهور فجوة في السوق، تحاول مجموعة محدودة من الشركات الناشئة استغلالها عبر تقديم منتجات تأمينية مرتبطة بمخاطر الذكاء الاصطناعي.

 

لكن حجم هذه الشركات لا يزال ضئيلاً مقارنة بحجم المشكلة المحتملة.

 

المشكلة أعمق من التأمين

 

تكمن المشكلة الأساسية في طبيعة الخطر نفسه.

 

فشركات التأمين تجد صعوبة في تغطية مخاطر الذكاء الاصطناعي لأن مفهوم «الخطر» في الاقتصاد أكثر وضوحاً مما هو عليه في هذه الحالة.

 

فالمخاطر التقليدية يمكن التعبير عنها باحتمالات قابلة للقياس.

 

أما التهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المتقدم فهي جديدة وغير مفهومة بالكامل، ولا تزال قاعدة الأدلة المتاحة حولها محدودة.

 

وبالتالي، لا يعرف المشترون ولا شركات التأمين كيفية تسعير هذه المخاطر بدقة.

 

وعبر التاريخ، ظهر كثير من المتشائمين الذين بالغوا في توقعاتهم بشأن انهيار سلاسل الإمداد أو الهبوط الاقتصادي الحاد أو الأزمات المالية.

 

ولو كانوا قادرين فعلاً على توقع تلك الأحداث بدقة، لكان بإمكانهم تحقيق أرباح كبيرة من رهاناتهم.

 

لكن الذكاء الاصطناعي يختلف عن هذه السيناريوهات.

 

 

عندما يصبح الخطر غير قابل للتحوط

 

في أقصى درجات الخطر، تصبح بعض تهديدات الذكاء الاصطناعي غير قابلة للتحوط بطبيعتها.

 

وحتى لو أمكن حساب احتمال وقوع تهديد وجودي للبشر، فما الفائدة من شراء وثيقة تأمين من طرف قد لا يبقى موجوداً لدفع التعويضات؟

 

وتزداد المفارقة وضوحاً في سيناريو «سيطرة الذكاء الاصطناعي»، حيث تصبح الأنظمة الذكية هي القوة المهيمنة، بينما يتراجع البشر إلى موقع ثانوي أو يخضعون لها.

 

في مثل هذا السيناريو الافتراضي، ستكون الكيانات التي تسيطر عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي هي المستفيد الأكبر، وهي نفسها الأطراف التي قد يحتاج إليها البشر نظرياً لتغطية مخاطرهم.

 

وحتى لو أمكن تصور عقد تأمين من هذا النوع، فإن التفاوض مع ذكاء اصطناعي فائق سيكون مسألة مختلفة تماماً.

 

فبعكس البشر، من المرجح أن يقرأ ذلك الطرف الافتراضي كل حرف في العقد، بما في ذلك الشروط الصغيرة.

 

وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية الأكبر: الأسواق تستطيع تسعير كثير من المخاطر، والتأمين يستطيع توزيع بعضها، لكن عندما يصبح الخطر وجودياً، قد لا يعود هناك سوق قادر على استيعابه أو طرف قادر على دفع ثمنه.

 

المصدر: “ذي إيكونوميست”

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً