ثمة روايات تنتهي عند الصفحة الأخيرة، وثمة روايات تبدأ فعليا من هناك. الأولى تمنح القارئ متعة الحكاية ثم تتركه يعود إلى حياته، أما الثانية فتترك في ذهنه سؤالا لا يجد له مكانا سهلا، وتدفعه الى إعادة النظر في أشياء كان يظن أنه حسم موقفه منها.
ومن هذا النوع يمكن قراءة رواية “نجمة أخرى” لـ گوران مريواني، وهي، قبل كل شيء، تجربته الأولى في مجال كتابة الرواية. غير أن أهمية هذه التجربة لا تكمن في كونها المحاولة الروائية الأولى لكاتب عرفه القارئ شاعرا وكاتبا، بقدر ما تكمن في الطريقة التي دخل بها مريواني الى عالم الرواية. فهو لا يكتبها بإحساس الشاعر وحده، ولا يحاول أن ينقل إلى الرواية أدوات القصيدة ولغتها، وإنما يدخل إليها بفكر وإحساس باحث، وبعين راصدة تتوقف طويلا أمام التفاصيل، وتفتش خلف الظاهر عن ما هو أبعد منه، وتسعى الى إعادة قراءة الواقع الكوردي من زوايا تتجاوز المألوف والمسلم به.
ولعل هذا ما يمنح “نجمة أخرى” خصوصيتها الأولى؛ فمريواني لا يتعامل مع الرواية بوصفها مجرد فضاء للحكاية والشخصيات، بل يجعل منها مساحة للتأمل والبحث والمساءلة. إن عينه الساردة تبدو، في مواضع كثيرة، أقرب إلى عين الباحث الذي لا يكتفي بأن يرى الحدث، وإنما يريد أن يعرف كيف تشكل، ولماذا اتخذ هذا المسار، وما الذي أخفاه التاريخ خلف رواياته الجاهزة.
ومن هنا تبدو الرواية وكأنها محاولة لقراءة الإنسان الكوردي، ليس من خلال صورته التي صنعتها الشعارات والأيديولوجيات وحدها، وإنما من خلال تناقضاته وأسئلته وهزائمه وأحلامه، ومن خلال المسافة الفاصلة بين ما أراد أن يكونه وما انتهى إليه.
لذلك فإن قراءة “نجمة أخرى” لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: هل نجح مريواني في كتابة رواية من الناحية الفنية فحسب؟ بل ربما يكون السؤال الأهم: ماذا أراد أن يفعل بالواقع حين اختار أن يضعه تحت مجهر الرواية؟ وماذا يحدث حين يتحول الأدب من وسيلة لسرد الحكاية الى أداة لإعادة فحص الأفكار التي اعتدنا التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية؟
فهذه الرواية لا تكتفي ببناء عالم سردي ودعوة القارئ الى التجول فيه، وإنما تحاول فتح نافذة في جدار الأفكار السائدة، ودفع القارئ الى النظر في التاريخ والسياسة والأيديولوجيا والكتابة من زاوية مختلفة.
العنوان نفسه يشي بذلك. فـ”نجمة أخرى” ليست مجرد صورة رومانسية عن مكان بعيد، ولا استعارة عن حلم مجهول، بل تبدو أقرب الى احتمال آخر: عالم آخر، وفكرة أخرى، وطريقة أخرى في النظر الى الأشياء التي اعتدنا رؤيتها من زاوية واحدة.
وهنا تكمن إحدى أهم مداخل قراءة الرواية.
من الحكاية الى مساءلة الفكرة
يدخل مريواني منطقة شديدة الحساسية حين يضع التاريخ الكوردي الحديث، وتجربة اليسار بصورة خاصة، تحت مجهر السؤال. غير أن أهمية هذا الاشتباك لا تكمن في اتخاذ موقف سياسي من تيار بعينه، بقدر ما تكمن في مساءلة الطريقة التي تتحول بها الأفكار، مع مرور الزمن، من أدوات للتفكير الى قوالب للتفكير.
فالفكرة حين تولد تكون في الغالب متمردة على ما سبقها؛ تسأل وتشك وترفض المسلمات. لكنها قد تتحول، عندما تنتقل من جيل الى آخر، الى عقيدة لا تحب الأسئلة التي صنعتها في بدايتها.
ومن هنا تطرح الرواية سؤالا يتجاوز التجربة اليسارية نفسها: ماذا يحدث عندما نرث الفكرة ونفقد قدرتها على النقد؟
إنها مشكلة كل أيديولوجيا تتحول من مشروع مفتوح إلى منظومة مغلقة، غير أن الرواية تختار تجربة اليسار ميدانا لاختبار هذه المسألة، وتضع أمام القارئ مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لفكرة تنشد تحرير الإنسان أن تتحول، في بعض تطبيقاتها، الى سلطة جديدة عليه؟
الحرية حين تصطدم بوسيلتها
من أكثر المناطق إثارة في الرواية ذلك الاشتباك بين الحرية والعنف، فالتاريخ السياسي يعرف مشاريع كثيرة رفعت راية التحرر، لكنها اعتبرت القوة والعنف طريقا ضروريا الى تحقيقه.
وهنا لا تكتفي الرواية بالسؤال عن الغاية، بل تذهب الى سؤال أكثر إرباكا: ماذا لو كانت الوسيلة نفسها تحمل في داخلها بذور النتيجة؟
هل تستطيع القوة أن تنتج مجتمعا لا تحكمه القوة؟ وهل يمكن للعنف أن يكون مجرد مرحلة عابرة، أم أنه يترك، بعد انتهاء الصراع، منطقه وثقافته في المكان الذي يفترض أن يكون قد تحرر منه؟
لا تقدم الرواية أجوبة مدرسية عن هذه الأسئلة، وهذه إحدى نقاط قوتها. فالأدب لا يفقد قيمته حين يمتنع عن الإجابة، بل قد يزداد تأثيرا عندما يترك القارئ أمام السؤال.
حين تحاكم الرواية الرواية
غير أن مريواني لا يضع الأفكار وحدها أمام المحاكمة؛ إنه يضع الكتابة نفسها أمامها أيضا.
فـ”نجمة أخرى” ليست رواية عن موضوع سياسي أو تاريخي فحسب، بل تحمل في داخلها نقاشا حول معنى أن تكتب رواية، وحول وضع الرواية الكوردية وشروط تطورها.
وهنا يبرز سؤال يبدو فنيا، لكنه في جوهره سؤال عن ثقافة الكتابة: هل كل حكاية طويلة تصبح رواية؟
فالرواية ليست عدد صفحات، وليست مجرد أحداث متتابعة وشخصيات تتحرك بينها. إنها بناء من الزمن والصوت والشخصية والإيقاع واللغة والدلالة. وحين يغيب هذا البناء، قد تبقى لدينا حكاية جيدة، لكنها لا تصبح بالضرورة رواية بالمعنى الفني.
ومن هنا تبدو جرأة مريواني في أن يجعل من عمله نفسه جزءا من هذا النقاش، وكأنه يقول إن النقد لا ينبغي أن يكون موجها إلى الآخرين وحدهم، بل يجب أن يبدأ من النص ذاته ومن شروط إنتاجه.
اللغة ليست مجرد وعاء
في “نجمة أخرى” لا تبدو اللغة مجرد ثوب ترتديه الفكرة، وإنما تبدو جزءا من الفكرة نفسها.
فاللغة الكثيفة ليست بالضرورة لغة عميقة، كما أن الإطالة ليست دليلا على ثراء المعنى. أحيانا تكون الجملة الأقصر أكثر قدرة على حمل الفكرة، لأن الكاتب لا يترك للزائد من الكلمات فرصة لتشتيت ما يريد قوله.
ولعل محاولة مريواني تكمن هنا: البحث عن لغة تستطيع حمل الفكرة من دون أن تتحول الى خطاب فلسفي جاف، وأن تحتفظ في الوقت نفسه بقدرتها الأدبية.
وهذه معادلة ليست سهلة، خصوصا عندما يختار الكاتب أن يضع الفكر في قلب العمل الروائي.
النجمة التي لم تظهر بعد
ما يجعل “نجمة أخرى” مثيرة للاهتمام أنها لا تستقر بسهولة في خانة واحدة. ليست رواية سياسية بالمعنى التقليدي، ولا رواية فلسفية خالصة، ولا مجرد عمل تاريخي؛ إنها تتحرك في المنطقة التي تتداخل فيها الحكاية مع السؤال، والتاريخ مع الذاكرة، والفكرة مع التجربة الإنسانية.
وهذه المنطقة هي التي تمنحها قيمتها النقدية.
فالأدب لا تكون قيمته دائما في تقديم إجابات جديدة، وإنما في جعل الأسئلة القديمة تبدو جديدة مرة أخرى.
وربما لهذا السبب لا ينبغي قراءة “نجمة أخرى” بوصفها محاكمة لفكر سياسي بعينه فقط، بل بوصفها محاولة لمساءلة طريقة التفكير ذاتها.
في النهاية، قد لا تكون “نجمة أخرى” مكانا نبحث عنه خارج هذا العالم، بل احتمالا لم يولد بعد داخل وعينا. قد تكون طريقة مختلفة في فهم الحرية، أو قراءة مختلفة للتاريخ، أو علاقة مختلفة بين الإنسان والفكرة، أو حتى تصورا مختلفا للرواية الكوردية نفسها.
وهنا يتحوّل عنوان الرواية من صورة شعرية الى سؤال فلسفي: ماذا لو كانت المشكلة ليست في غياب العالم الآخر، وإنما في عجزنا عن رؤيته؟
ربما تكون “نجمة أخرى” هي تلك المسافة الصغيرة بين ما نعرفه وما لم نفكر فيه بعد.
وفي هذه المسافة تحديدا يعيش الأدب الحقيقي؛ حين يجعلنا نغادر الكتاب أقل يقينا مما كنا عليه عند فتحه، لكن أكثر رغبة في التفكير.
وعندها لا تعود “نجمة أخرى” مجرد عنوان لرواية، بل تصبح دعوة الى البحث عن عين أخرى نرى بها العالم؛ لأن تغيير العالم يبدأ، في كثير من الأحيان، من اللحظة التي نكتشف فيها أن الطريقة التي كنا نراه بها لم تكن الطريقة الوحيدة الممكنة.

التعليقات