التخطي إلى المحتوى

طهران – تكثف إيران تحصين منشآتها النووية والعسكرية، وتعمل على استعادة قدراتها الصاروخية والمسيّرة، بالتوازي مع تعبئة داخلية وتصعيد تهديداتها ضد أهداف أميركية وخليجية، استعدادا لاحتمال استئناف الحرب مع الولايات المتحدة، وفق تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الثلاثاء.

وأظهرت صور أقمار صناعية، استند إليها التقرير، إقامة سواتر ترابية وإجراءات دفاعية حول منشأتي نطنز وجبل بيك آكس النوويتين، بينها إغلاق مداخل أنفاق وتعزيز حمايتها، في تدابير تهدف إلى الحد من تأثير الضربات الجوية أو محاولات التوغل البري.

وتشير الصور إلى استمرار أعمال التحصين في المنشأتين، لكنها لا تثبت نقل أجهزة طرد مركزي إليهما أو بدء تشغيل منشأة جبل بيك آكس لتخصيب اليورانيوم.

وفي موقع مينزادهيه، الواقع قرب طهران والذي قالت إسرائيل إنه استُخدم في أنشطة مرتبطة بتطوير أسلحة نووية، رصدت صور أقمار صناعية نشرتها مؤسسة العلوم والأمن الدولي في 6 أكتوبر/تشرين الأول عودة ملحوظة لحركة المركبات بعد أعمال إزالة الأنقاض وإصلاح الأضرار الناجمة عن القصف. ورأت المؤسسة أن النشاط قد يشير إلى محاولة إعادة بناء قدرات نووية تضررت خلال الهجمات، من دون أن تثبت الصور وحدها طبيعة الأنشطة الجارية داخل الموقع، وفق ما نقلته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”.

وعلى صعيد القدرات العسكرية، أفادت “بلومبرغ”، في تقرير نشرته في 9 أكتوبر/تشرين الأول ونقلته “جيروزاليم بوست”، بأن إيران احتفظت بقدرة على إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة رغم أشهر من الضربات الأميركية والإسرائيلية، استنادا إلى تقييمات استخباراتية لمسؤولين غربيين.

ولا توفر هذه التقديرات حصيلة مستقلة دقيقة للمخزون الإيراني المتبقي أو لمستويات الإنتاج الحالية.

وكان المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية رضا طلائي نيك قد قال، في 6 أكتوبر/تشرين الأول، إن بلاده رفعت قدرتها على إنتاج الأسلحة، وإنها أعدت أهدافا للرد على أي هجوم جديد. ونقلت وكالة الأناضول عنه أن طهران سترد بصورة أشد على أي ضربة أميركية أو إسرائيلية.

ولا تقتصر الاستعدادات الإيرانية على المنشآت العسكرية.

وقال العميد غلام رضا جلالي، المسؤول عن خطط الطوارئ، في نهاية سبتمبر/أيلول، إن المطارات والموانئ ومحطات الكهرباء أُعدت للعمل في ظروف الحرب، مع توفير ملاجئ وإمدادات احتياطية.

كما بثت وسائل الإعلام الرسمية تجمعات مؤيدة للنظام، وأظهرت إعلانات في طهران دورات مدنية للتدرب على استخدام الأسلحة، بحسب “وول ستريت جورنال”.

وأشار التقرير إلى تدريب الحرس الثوري وحدات نسائية على تكتيكات حرب العصابات واستخدام الأسلحة والطائرات المسيّرة، وإلى أنشطة دعائية استهدفت أطفالا في روضة بمدينة سبزوار.

وتندرج هذه المظاهر ضمن جهود السلطات لتهيئة المجتمع لاحتمال تجدد المواجهة، لكنها لا تثبت إعلان تعبئة عامة.

وفي موازاة التحصينات، حذرت طهران من توسيع نطاق الرد إذا استؤنفت الحرب. ونقل التقرير عن أشخاص مطلعين على تحذيرات إيرانية وُجهت إلى مسؤولين إقليميين أن طهران لوحت بإمكان استهداف منشآت نفطية سعودية، وأهداف في الإمارات، ومراكز بيانات وكابلات إنترنت في المنطقة، فضلا عن تهديد القوات والسفن الأميركية.

وتأتي هذه التحذيرات في ظل تصاعد الهجمات على الملاحة في الخليج. وأفادت “وول ستريت جورنال”، نقلا عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، بتعرض ثلاث سفن تجارية على الأقل لهجمات خلال عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز ومحيطه. كما تسبب هجوم بطائرة مسيّرة في اندلاع حريق على ناقلة إماراتية قرب سلطنة عمان، مع فقدان اثنين من البحارة الهنود.

وفي السعودية، أدى هجوم صاروخي ومسيّر نسبته السلطات إلى الحوثيين المدعومين من إيران على مطار الملك خالد الدولي في الرياض إلى مقتل 13 شخصا وإصابة أكثر من 300، وفق وكالة أسوشيتد برس، التي قالت إن السلطات السعودية فتحت تحقيقا في إخفاق منظومات الدفاع الجوي في منع الهجوم. وتعرض المطار لهجوم آخر في اليوم التالي، وفق تقارير إعلامية.

وتثير هذه التطورات مخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل المطارات ومنشآت الطاقة والبنية الرقمية، بما يرفع الكلفة الاقتصادية لأي مواجهة جديدة، لكن لا توجد أدلة تثبت أن جميع الهجمات الإقليمية صدرت بأوامر مباشرة من طهران.

في المقابل، تعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة. وقالت “وول ستريت جورنال” إن مجموعة ثالثة لحاملة طائرات ووحدة إضافية من مشاة البحرية تتجهان إلى الشرق الأوسط، بينما يدرس البنتاغون إرسال مزيد من أنظمة الدفاع الجوي والذخائر إلى قواعده.

وكانت واشنطن قد نقلت طائرات قاذفة من طراز “بي-1” من قاعدة فيرفورد البريطانية، وسط مخاوف من هجوم محتمل بطائرات مسيّرة، بحسب تقارير إعلامية.

وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استبعد شن هجوم قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، لكنه أبقى الخيارات العسكرية مفتوحة، بما فيها استهداف منشأة جبل بيك آكس.

وكانت واشنطن قد أوقفت في أواخر يوليو/تموز خططا لتصعيد واسع، جزئيا بسبب مخاوف من مخزونات صواريخ الاعتراض اللازمة لحماية القوات والقواعد في المنطقة.

وتعكس هذه الحسابات صعوبة تحقيق حسم عسكري سريع. فبينما تمتلك الولايات المتحدة تفوقا جويا وتكنولوجيا عسكرية أكبر، فإن المنشآت المدفونة عميقا تحت الأرض أصعب تدميرا، كما أن حماية القواعد والسفن والحلفاء من الرد الإيراني تستلزم ذخائر دفاعية مكلفة.

وأشار تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي إلى أن صور الأقمار الصناعية لا تسمح بالجزم بأن منشأة جبل بيك آكس أصبحت جاهزة للتشغيل النووي، لكنها تكشف استمرار أعمال البناء والتحصين.

وعلى المسار الدبلوماسي، لا تزال الاتصالات متعثرة بسبب الخلاف على ترتيب الملفات. وأفادت رويترز في 12 أكتوبر/تشرين الأول بأن طهران اعتبرت الرد الأميركي على مقترحها بشأن مضيق هرمز غير كاف، فيما تستمر جهود الوساطة التي تشارك فيها قطر وباكستان.

وتريد إيران إعطاء الأولوية لإعادة فتح المضيق، بينما تسعى واشنطن إلى معالجة الملف النووي ضمن أي تسوية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الطرفين يستخدمان فترة توقف القتال لتعزيز موقعيهما العسكري والسياسي، من دون أن تثبت أن قرار استئناف الحرب قد اتُّخذ. وبينما تراهن طهران على التحصينات والقدرات الصاروخية والتهديدات الإقليمية لردع خصومها، تحاول واشنطن الحفاظ على الضغط الاقتصادي والعسكري ودفع إيران إلى تنازلات في المفاوضات.

التعليقات

اترك تعليقاً