لم تكن الفصاحة في تاريخ الشعر العربي حكرًا على من درسوا النحو، وحفظوا اللغة، وتلقوا علومها على أيدي الشيوخ؛ فقد تنبثق الموهبة من بيئة بعيدة عن الكتب، وتشُق طريقها إلى البيان بقوة السليقة ورهافة الحس. ومن هؤلاء أبو القاسم نصر بن أحمد بن نصر بن مأمون البصري، المعروف بالخبزأرزي، المتوفى سنة 317هـ، الذي جمع بين حرفة الخباز ورقة الشاعر، فخرج من دكانه في مربد البصرة شعرٌ تناقله الأدباء، وأعجب به أهل عصره، حتى إن الشاعر أبا الحسن ابن لنكك اعتنى به وجمع شعره في ديوان.
كان الخبز أرزي أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنه امتلك من سلامة الطبع ورهافة الحس ما مكّنه من نظم شعر فصيح، تتسم غزلياته بالعذوبة، وتقوم طرائفه على خفة الروح وسرعة البديهة، فيما تكشف بعض قصائده عن نزعة إلى الحكمة والتأمل في أحوال الناس. وتكمن فرادة تجربته في أن أميته لم تحل دون موهبته، وأن حرفته المتواضعة لم تمنعه من أن يترك أثرًا في الحياة الأدبية.
ارتبط لقبه بحرفته؛ فقد كان يخبز خبز الأرز في دكان بالمِرْبَد، وهو موضع معروف من مواضع البصرة، ارتبط اسمه في تاريخ الأدب بأسواق العرب ومجالس الشعراء. وكان المربد سوقًا للإبل، ثم غدا فضاءً للتجارة والمفاخرات والمطارحات الشعرية، وذاع صيته في العصر الأموي، حين احتدمت فيه المنافسات بين الشعراء، ومن أشهرها ما اتصل بجرير والفرزدق. وفي هذا الفضاء الذي اختلطت فيه حركة الحياة بجدل الشعر، كان الخبز أرزي يعجن العجين ويخبز الأرغفة، ثم ينشد غزلياته، فيجتمع الناس حوله للاستماع إلى شاعر صنعت له موهبته جمهورًا لم تصنعه له مكانة اجتماعية أو ثقافة مدرسية.
ويذكر ابن خلكان في كتابه “وفيات الأعيان” أن الخبز أرزي كان أميًّا لا يتهجّى ولا يكتب، وأنه كان يخبز خبز الأرز بالمربد وينشد أشعاره التي غلب عليها الغزل، فيزدحم الناس على دكانه ويستطرفون شعره ويتعجبون من حاله. ثم يذكر أن ابن لنكك، على علو قدره في الأدب، كان يقصد دكانه ليستمع إلى شعره ويعتني به ويجمع له ديوانًا.
ولا يقتصر مغزى هذا الخبر على حكاية شاعر أمي أعجب الناس بشعره؛ فهو يكشف عن حياة أدبية أتاحت للموهبة أن تفرض حضورها خارج مجالس العلماء والأدباء. كما يدل على أن الذائقة النقدية لم تكن ترد الشعر إلى منزلة قائله أو مقدار علمه، بل كانت قادرة على تمييز القول الجميل حيثما ظهر. وقد أدرك ابن لنكك أن شعر الخبز أرزي يستحق الحفظ، فأسهمت عنايته به في بقاء شيء من تجربته في كتب الأدب.
ومن الأخبار التي تكشف عن سرعة بديهته ما رُوي أنه دخل على أبي الحسين بن المثنى عقب حريق شبّ في سوق المربد، فسأله عما قال في الحريق، فأجاب بأنه لم يقل شيئًا. فاستنكر مخاطبه ذلك، ورأى أن شاعر البصرة لا ينبغي أن يدع حادثًا كهذا يمر من غير شعر. عندئذ ارتجل الخبز أرزي أبياتًا جعل فيها من الحريق صورة للوجد، ومن النار التي التهمت السوق استعارة لنار الشوق:
أتتكم شهود الهوى تشهدُ فما تستطيعون أن تجحدوا
فيا مربديون ناشدتكم على أنني منكم مجهدُ
جرى نفسي صعدًا بينكم فأحرق من ذلك المربدُ
وهاجت رياح حنيني لكم فظلت بها ناره توقدُ
ولولا جرت أدمعي لم يكن حريقكم أبدًا يخمدُ
تقوم الطرفة على تحويل الحدث الخارجي إلى صورة للانفعال الداخلي؛ فبدل أن يصف الشاعر الحريق، يجعل من شدة حنينه سببًا مجازيًّا لاشتعال النار، ثم يبالغ في المفارقة حين يجعل دموعه وسيلة لإخمادها. وتكشف الأبيات عن شاعر يحسن التقاط المواقف العابرة، ويحولها إلى مادة شعرية تجمع بين سرعة الخاطر وخفة الظل.
وتروي الأخبار طرفة أخرى عن زيارة ابن لنكك للخبز أرزي في يوم عيد. فقد اجتمع نفر من الشعراء والأدباء عند الخباز، وأوقد السعف تحت طابقه، فتصاعد الدخان وأصاب ثياب زائريه النظيفة، فنهضوا من مجلسه. ولما سأله الخبز أرزي: متى أراك يا أبا الحسين؟ أجابه ابن لنكك مازحًا: إذا اتسخت ثيابي. ثم نظم أبياتًا بعث بها إليه، يعاتبه فيها عتابًا مشوبًا بالمودة.
ولم يتأخر جواب الخباز الشاعر، بل رد بأبيات قابل فيها المزاح بمثله، مستثمرًا بياض الثياب والدخان في مفارقة لطيفة، وختم بقوله:
فإن كان الترفه فيه خيرٌ فلم يُكنَ الوصيُّ أبا ترابِ
وتكشف الحكاية عن سرعة بديهة الخبز أرزي وقدرته على مجاراة الأدباء، كما توضح أن علاقته بابن لنكك تجاوزت الإعجاب بشعره إلى مجالسة ومطارحة تقوم على الألفة والتنافس الظريف.
أما الغزل، فهو أوسع أبواب شعره وأقربها إلى طبيعته الفنية. لا يتكلف فيه المعاني البعيدة، ولا يثقل أبياته بالصور المعقدة، بل يعتمد على المفارقة والمبالغة المحببة والعبارة العذبة. يقول:
كلُّ الهوى صعبٌ ولكنني بُليتُ بالأصعب من أصعبهْ
أذابني الحبُّ فلو زُجَّ بي في ناظر النائم لم ينتبهْ
وكان لي قبل الهوى خاتمٌ فالآن لو شئتُ تمنطقتُ بهْ
وزارني طيفك حتى إذا أراد أن يمضي تعلقتُ بهْ
يحوّل الشاعر ألم الحب إلى صور حسية طريفة؛ فالعاشق الذي أذابه الهوى حتى غدا في ضآلة خاتمه، ثم يتعلق بطيف محبوبه حين يهم بالرحيل، يجسد مبالغة الغزل في صورة تجمع بين العذوبة والابتكار. ولا يكتفي الشاعر بالإخبار عن الشوق، بل يجعله مشهدًا يمكن تخيله، ويصور تعلق العاشق بما لا يكاد يملك منه شيئًا.
ويقول في تقلّب أحوال الهوى:
جمعةٌ تنقضي وشهرٌ يولي وأمانيك بكرةً وأصيلًا
إن يفتني منك الجميل من الفعل تعاطيت عنك صبرًا جميلًا
والهوى يستزيد حالًا فحالًا وكذا ينسلّي قليلًا قليلًا
تنبع رقة هذه الأبيات من حركة الزمن داخل التجربة العاطفية؛ فالأيام تمضي، والأماني تتجدد، والحب يزداد أو ينحسر على مهل. ويصور الشاعر التردد بين الرجاء والصبر، وبين تعلق القلب ومحاولة تسليته، فيجعل الحب حالة متحولة لا انفعالًا جامدًا.
ومن أجمل صوره قوله:
جمال عينيك عطّل النرجسْ حتى تقاضى ودار في المجلسْ
أبصر عينيك فانثنى خجلًا فهو لفرط الحياء قد نُكِّسْ
لو استطاع الكلام قال كذا كان، ولكن لسانه أُخرسْ
يشخّص الشاعر النرجس، الذي اتخذه الشعراء رمزًا لجمال العيون، فيجعله عاجزًا أمام عيني المحبوب، ثم يصوره خجلًا مطأطئ الرأس. وتستمد الصورة طرافتها من قلب العلاقة المعتادة بين المشبَّه والمشبَّه به؛ فالطبيعة التي يستعير منها الشعراء صور الجمال تبدو هنا عاجزة أمام الجمال الإنساني.
ولا يقف شعره عند الغزل والظرف؛ فقد عبّر عن خيبة الأمل في الأصدقاء، فقال:
ألا إن إخواني الذين عهدتهم أفاعي رمالٍ ما تقصّر في لسعي
ظننت بهم خيرًا، فلما بلوتهم حللت بوادٍ منهم غير ذي زرع
في البيت الثاني يستحضر صورة الوادي غير ذي الزرع، بما تحمله من معنى الجدب وانعدام أسباب الحياة. فالصداقة التي رجَا منها الأنس والوفاء تنقلب أرضًا قاحلة لا يجد فيها ما يسند قلبه. ويقول في تقلّب مواقف الناس:
كم أناسٍ وفوا لنا حين غابوا وأناسٍ جفوا وهم حُضّارُ
عرضوا ثم أعرضوا واستمالوا ثم مالوا وجاوروا ثم جاروا
لا تلمهم على التجني، فلو لم يتجنوا لم يحسن الاعتذارُ
تكشف هذه الأبيات عن شاعر خبر تقلّب العلاقات الإنسانية، وأدرك أن القرب لا يضمن الوفاء، وأن الاعتذار قد يتحول إلى حيلة لتبرير الإساءة.
ومن الأبيات المنسوبة إليه في حفظ اللسان:
لسان الفتى حتف الفتى حين يجهلُ وكل امرئٍ ما بين فكَّيه مقتلُ
إذا ما لسان المرء أكثر هذره فذاك لسان بالبلاء موكَّلُ
وكم فاتحٍ أبواب شرٍّ لنفسه إذا لم يكن قفلٌ على فيه مُقفلُ
وتتوالى الأبيات في التحذير من إطلاق الكلام، والتنبيه إلى أن الكلمة قد تستدعي جوابًا أشد منها، وتختتم بمعنى يدعو إلى التروي في القول والعمل:
إذا شئت أن تحيا سعيدًا مسالمًا فدبّر وميّز ما تقول وتفعلُ
وتكشف هذه الأبيات عن جانب آخر من شخصية الشاعر؛ فهو الذي أجاد المداعبة يدرك أن اللسان قد يكون بابًا إلى الخصومة، وأن حسن القول يحتاج إلى حسن التقدير. وهكذا تتجاور في تجربته خفة الغزل وخبرة الحياة، من غير أن تطغى إحداهما على الأخرى.
وهكذا يظل الخبز أرزي شاهدًا على أن الإبداع لا يستأذن المكانة الاجتماعية قبل أن يظهر، وأن الشعر قد ينبت في دكان صغير كما ينبت في مجالس الأمراء والعلماء. وبين رائحة الخبز ودخان السعف وأحاديث المربد، صاغ شاعر البصرة غزله وطرائفه وحكمته، تاركًا سيرة تذكّر بأن قيمة الشاعر لا تُقاس بما في يده من كتب، بل بما يمنحه للكلمات من حياة.

التعليقات