
لم تعد حماية الأطفال على الإنترنت في مصر تقتصر على التوعية بمخاطر الفضاء الرقمي والتحذير من الاستخدام غير الآمن، بل اتجهت إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين التثقيف الرقمي، وتوفير أدوات تقنية لحجب المحتوى الضار، وفرض ضوابط عمرية على استخدام منصات التواصل الاجتماعي، بما يعزز سلامة الأطفال والنشء ويحميهم من التهديدات المتزايدة في البيئة الرقمية.
وفي هذا الإطار، تتحرك وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بالتعاون مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، عبر حزمة من المبادرات والخدمات والإجراءات التنظيمية التي تستهدف توفير بيئة رقمية أكثر أمانًا للأطفال، وتمنح أولياء الأمور وسائل عملية لمتابعة استخدام أبنائهم للإنترنت والحد من تعرضهم للمحتوى غير الملائم.
وتتصدر هذه الجهود منصة «واعي.نت» للتوعية بالأمان الرقمي، وخدمتا «اطمن» و«اطمن على الآخر»، المعروفتان إعلاميًا باسم «شريحة الطفل»، إلى جانب ضوابط جديدة تستهدف تنظيم استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عامًا.
«واعي.نت».. التوعية الرقمية من بوابة الأسرة والمدرسة
تأتي منصة «واعي.نت» ضمن الأدوات الداعمة لمبادرة «المواطنة الرقمية والحماية على الإنترنت»، إذ تستهدف نشر ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا بين الأطفال والمراهقين والشباب، مع إشراك أولياء الأمور والمعلمين في تعزيز الوعي بالمخاطر الرقمية وسبل التعامل معها.
وتقدم المنصة محتوى توعويًا وتفاعليًا يتناول قضايا الأمان والخصوصية وحماية البيانات الشخصية، إلى جانب إرشادات للتعامل مع المخاطر المرتبطة بالتطبيقات والخدمات الرقمية، بما يشمل التنمر الإلكتروني والابتزاز الرقمي، مع مراعاة اختلاف الفئات العمرية واحتياجاتها التوعوية.
وفي يونيو 2026، توسعت جهود التعريف بالمنصة من خلال حملة رسائل نصية توعوية أطلقتها وزارة الاتصالات بالتعاون مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وشركات المحمول، بهدف الوصول إلى شريحة أوسع من المستخدمين، ونشر رسائل مباشرة حول حماية الخصوصية والبيانات الشخصية، ومواجهة التنمر والابتزاز الإلكتروني، وترسيخ قواعد الاستخدام الآمن للإنترنت.
«شريحة الطفل».. حجب المحتوى الضار وتعزيز الرقابة الأسرية
وفي خطوة تستهدف الانتقال من التوعية إلى الحماية التقنية المباشرة، أطلقت وزارة الاتصالات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، في يوليو 2026، خدمتي «اطمن» و«اطمن على الآخر»، لتوفير مستويات إضافية من الأمان للأطفال أثناء تصفح الإنترنت عبر الهواتف المحمولة.
وتتيح خدمة «اطمن» حجب المحتوى الضار وغير الملائم للفئات العمرية الصغيرة، إلى جانب تفعيل خصائص التصفح الآمن والبحث الآمن على محركات البحث الرئيسية، ومنع الوصول إلى المواقع المعروفة باستضافة البرمجيات الخبيثة والفيروسات وغيرها من التهديدات الإلكترونية.
أما خدمة «اطمن على الآخر»، فتضيف مستوى أوسع من الحماية من خلال إتاحة حجب مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، بما يساعد الأسر الراغبة في تقييد وصول أبنائها إلى هذه المنصات وتقليل تعرضهم للمحتوى أو التفاعلات غير المناسبة لأعمارهم.
وتتميز الخدمتان بإمكانية الاشتراك من خلال فروع شركات المحمول الأربع أو عبر تطبيقاتها الرسمية، دون الحاجة إلى خبرة تقنية متخصصة أو إجراء إعدادات معقدة، وهو ما يسهّل على أولياء الأمور الاستفادة من أدوات الحماية الرقمية المتاحة.
ضوابط عمرية جديدة.. حسابات مقيدة ونمط آمن إلزامي
وبالتوازي مع الأدوات التقنية والتوعوية، اتجهت الجهات المعنية إلى وضع ضوابط تنظيمية تستهدف الحد من المخاطر المرتبطة باستخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، من خلال تحديد متطلبات تتناسب مع الفئات العمرية المختلفة.
وفي سبتمبر 2026، اتخذ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إجراءات جديدة تستهدف حماية الأطفال والنشء، مع التمييز بين من هم دون 13 عامًا، والفئة العمرية من 13 عامًا إلى أقل من 15 عامًا.
وبموجب هذه الإجراءات، تُلزم منصات التواصل الاجتماعي بعدم إنشاء أو تفعيل أو إتاحة حسابات شخصية مستقلة للأطفال دون 13 عامًا، في إطار توجه يستهدف الحد من تعرض الفئات الأصغر سنًا للمخاطر المرتبطة بالاستخدام المبكر لهذه المنصات.
أما المستخدمون من سن 13 عامًا وحتى ما دون 15 عامًا، فيُسمح لهم باستخدام الحسابات وفق ضوابط محددة، أبرزها تفعيل نمط الاستخدام الآمن «Safe Mode» بصورة تلقائية وإلزامية، مع منع الطفل من تعطيله بشكل منفرد طوال وجوده ضمن هذه الفئة العمرية.
ولا تقتصر المتطلبات الجديدة على تحديد السن أو تقييد إعدادات الحسابات، بل تمتد إلى إلزام المنصات باتخاذ وسائل فعالة ومتناسبة للتحقق من أعمار المستخدمين، ومنع التحايل على الحدود العمرية، مع الالتزام بقواعد حماية البيانات الشخصية وتقليل حجم البيانات التي تُجمع لأغراض التحقق.
كما تشمل الإجراءات مراجعة الحسابات القائمة واتخاذ التدابير اللازمة لتوفيق أوضاع الحسابات التي يثبت، أو يرجح وفق آليات موثوقة، أنها تخص مستخدمين دون 15 عامًا، مع ضرورة إتاحة آلية واضحة للتظلم وتصحيح بيانات العمر في حال وقوع أخطاء.
مهلة ثلاثة أشهر لتوفيق الأوضاع
ولضمان الانتقال إلى التطبيق العملي للضوابط الجديدة، مُنحت منصات التواصل الاجتماعي مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لتوفيق أوضاعها وتنفيذ المتطلبات المحددة، مع إلزامها بتقديم خطط تنفيذية وجداول زمنية توضح الإجراءات الفنية والتشغيلية اللازمة للامتثال.
وتعكس هذه المهلة توجهًا نحو نقل مسؤولية حماية الأطفال من نطاق التوعية الفردية والأسرية وحده إلى مسؤولية مشتركة تشمل الجهات التنظيمية ومقدمي خدمات الاتصالات والمنصات الرقمية، مع التركيز على آليات التحقق من العمر، وضبط إعدادات الاستخدام، وتعزيز المساءلة عن الالتزام بالقواعد الجديدة.
حماية الأطفال مسؤولية مشتركة
وتكشف هذه التحركات عن توجه متزايد نحو تطوير منظومة حماية رقمية تجمع بين رفع الوعي المجتمعي، وتوفير أدوات تقنية للحد من الوصول إلى المحتوى الضار، ووضع ضوابط عمرية لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي.
وبينما توفر خدمات «شريحة الطفل» وسائل عملية تساعد الأسر على التحكم في طبيعة المحتوى الذي يصل إلى أبنائها، تتيح منصة «واعي.نت» مساحة أوسع لبناء المعرفة الرقمية، في حين تستهدف الإجراءات التنظيمية إلزام المنصات باتخاذ تدابير أكثر فاعلية لحماية المستخدمين الأصغر سنًا.

التعليقات