التخطي إلى المحتوى

أعادت حادثة الكاتب النيجيري جيري فالادي إلى الساحة الجدل حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة، حيث انهارت صفقة نشر روايته “Call Me, I’ll Hide the Body”، التي بلغت قيمتها نحو 2.4 مليون دولار، إثر مخاوف أُثيرت حول احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الرواية.

ورغم أن فالادي نفى هذه الادعاءات، خاصة أنها لم تثبت بشكل قاطع، كانت الشكوك وعدم القدرة على التحقق من كيفية تطور المخطوط كافية لسحب الرواية من السوق وإلحاق الخسائر به، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التأليف والتحرير، وإمكانية التحقق من هذا الاستخدام.

حوادث متكررة تفتح باب الشك

ولم تكن هذه هي الحادثة الوحيدة في هذا الشأن؛ إذ أثارت الكاتبة الأميركية ميا بالارد، في مارس/آذار الماضي، جدلًا مشابهًا بسبب روايتها “Shy Girl”، التي سحبتها دار “هاشيت” من المكتبات البريطانية، كما أوقفت صدورها في الولايات المتحدة، بعدما أثيرت شكوك حول اعتماد مؤلفتها على أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما نفت الكاتبة أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي بنفسها في كتابة الرواية، مشيرة إلى أن محررًا مستقلًا استعانت به أدخل أدوات الذكاء الاصطناعي أثناء العمل على نسخة سابقة من الرواية.

وفي مايو/آيار الماضي، واجهت جائزة الكومنولث للقصة القصيرة اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في ثلاث من القصص الخمس الفائزة إقليميًا، بعد أن أظهرت أداة “Pangram” مؤشرات على احتمال توليد أجزاء من هذه القصص بالذكاء الاصطناعي، وهو ما نفاه الفائزون، ما دفع المؤسسة إلى مراجعة القصص وعمليات التقييم، لكنها قررت لاحقًا الإبقاء على نتائج المسابقة، إلا أن الجدل لم ينتهِ عند هذا الحد؛ إذ استمرت الشكوك حول الأعمال، وأعلنت مجلة “غرانتا” توقفها عن نشر القصص الفائزة بالجائزة.

وفي وقت سابق من الشهر نفسه، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن كتاب ستيفن روزنباوم “The Future of Truth” احتوى على اقتباسات ملفقة أو منسوبة بشكل خاطئ، وأقر المؤلف لاحقًا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، خلال مراحل البحث والكتابة والتحرير.

الذكاء الاصطناعي يتسلل إلى سوق الكتب

في هذا السياق، تناولت دراسة بحثية أولية نشرتها “نيويورك تايمز” تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق الكتب، من خلال تحليل 14419 رواية من الروايات المنشورة ذاتيًا والمباعة على “أمازون”، بين يناير/كانون الثاني 2023 ومارس/آذار 2026؛ إذ وجدت الدراسة أن 2168 كتابًا من تلك الكتب كانت أكثر من 50% من نصوصها مولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما تجاوزت نسبة النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي 90% في 970 رواية، ويقدِّر الباحثون أن مبيعات الروايات التي تضمنت نصوصًا مولدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة لا تقل عن 25%، بلغت عشرات الملايين من الدولارات خلال السنوات الثلاث الماضية، وإن كانت تستحوذ على حصة أقل من المبيعات.

وتوصلت دراسة أخرى، أجراها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، استخدم فيها الباحثون برنامج “Pangram” لتحليل نصوص نحو 60000 كتاب بيعت على “أمازون”؛ ووجدت الدراسة أن نحو 53% من الكتب المنشورة عام 2025 تضمنت نصوصًا مولدة بالذكاء الاصطناعي، مقارنةً بـ23% عام 2023، وكان استخدام الذكاء الاصطناعي أعلى في فئات مثل السفر والرياضات الخارجية، بينما ظل منخفضًا في الروايات، كما أظهرت النتائج انخفاض متوسط تقييم الكتب الجديدة على “أمازون” مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي.

ورغم أن الأعمال المولَّدة بالذكاء الاصطناعي لم تحظَ بتقييمات عالية، أو تحقق مبيعات عالية مقارنةً بالأعمال البشرية، فإن تأثيرها الأكبر يتمثل في خلق زخم في سوق الكتب، والمنافسة على انتباه القراء، ما قد يهدد فرص الكثير من الكُتَّاب في الظهور، وهو ما عكسته تجربة الكاتبة جيس مايكلز، التي قالت في حديثها إلى “نيويورك تايمز” إن تدفق الأعمال المولَّدة بالذكاء الاصطناعي جعل اكتشاف كتبها والوصول إليها أكثر صعوبة، مشيرةً إلى أن أعمالها تُقرصن وتُستخدم لإنتاج كتب تحاكي أسلوبها، ثم تُطرح أعداد كبيرة منها في السوق. 

القانون يلاحق الذكاء الاصطناعي

وحتى الآن، لا يوجد في الأنظمة القانونية الكبرى ما يفرض على المؤلف الإفصاح عن مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي في تأليف الكتب أو تحريرها، وإن كانت بعض الدول والمنصات قد وضعت قواعد للشفافية أو لوسم أنواع معينة من المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي؛ ففي الاتحاد الأوروبي، بدأ تطبيق قواعد جديدة في أغسطس/آب المنصرم، تلزم بالكشف عن استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض أنواع المحتوى، مثل التزييف العميق، وبعض النصوص التي تنشر لإبلاغ الجمهور بقضايا ذات مصلحة عامة، لكن هذه القواعد لا تعني أن كل مؤلف استخدم الذكاء الاصطناعي في كتابة أو مراجعة كتابه مطالب بالإفصاح عن ذلك.

ومع تزايد حضور الذكاء الاصطناعي في صناعة النشر، بدأت دول عدة في تطوير أطر قانونية للتعامل مع تأثيره في حقوق الملكية الفكرية؛ ففي الولايات المتحدة، أكد مكتب حقوق الطبع والنشر أن الأعمال التي شارك الإنسان في ابتكارها بصورة واضحة يمكن أن تحصل على الحماية القانونية، حتى إذا استعان صاحبها بالذكاء الاصطناعي، لكن المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي وحده لا يحصل تلقائيًا على الحماية، كما أن مجرد كتابة أوامر للنظام لا يجعل المستخدم مؤلفًا قانونيًا للمخرجات.

أما في بريطانيا، فما زال القانون يمنح بعض الحماية لما يسمى “الأعمال المولدة بالحاسوب”، ويعتبر الشخص الذي قام بالترتيبات اللازمة لإنشائها هو صاحب العمل، وتستمر هذه الحماية لمدة 50 عامًا، إلا أن الحكومة البريطانية تعيد حاليًا النظر في هذا النظام، وتبحث ما إذا كان لا يزال مناسبًا في عصر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مناقشة وسائل أوضح لتمييز المحتوى المولد آليًا.

محاولات لكشف النصوص المولدة

وربما ما يزيد تعقيد الأمور عدم وجود طريقة يمكنها إثبات استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة نص ما بشكل قاطع، وإن كانت هناك محاولات لتطوير تقنيات تساعد على التعرف على النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي؛ منها الميزة التي أطلقتها مؤخرًا شركة “Anthropic”، المطوِّرة لنموذج الذكاء الاصطناعي “Claude”، والتي تتيح وضع علامات مائية غير مرئية وقابلة للقراءة آليًا داخل النصوص التي ينشئها النموذج، ويمكن أن تظل العلامة المائية موجودة حتى بعد نسخ النص ولصقه وإجراء بعض التعديلات عليه.

في هذا السياق، يوضّح حسام مصطفى إبراهيم، مدرّب الذكاء الاصطناعي المعتمد ومؤسس شركة “الذكاء الاصطناعي ببساطة”، أن العلامات المائية قد تكون جزءًا مهمًّا من الحل لأنها تساعد في تقدير احتمال مشاركة النموذج في كتابة النص، لكنها لا تمنح يقينًا مطلقًا، فقد تضعف فاعليتها مع إعادة الصياغة أو التحرير المكثف، وقد لا تستخدمها النماذج المفتوحة أو الأدوات غير الملتزمة، بينما يتمثَّل الحل الحقيقي -في رأيه- في مزيج من الشفافية، والعلامات التقنية، ووضع قواعد واضحة للنشر؛ خاصةً أنه لا توجد حاليًّا أداة تستطيع أن تجزم بصورة قاطعة بأن نصًّا ما بشري أو مولّد آليًّا، وإنما أدوات تقدم احتمالات وقد تخطئ في الاتجاهين، والوضع في اللغة العربية أكثر تعقيدًا بسبب تنوع الأساليب، وقلة البيانات، والتداخل بين الفصحى واللهجات، لذلك فإن نتيجة هذه الأدوات ليست دليل إدانة نهائي.

ومن خلال تجربته وخبرته في الكتابة والعمل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يرى أن نماذج الذكاء الاصطناعي تمثل أداة “ممتازة” للعصف الذهني، والبحث الأولي، واقتراح العناوين، وترتيب الأفكار، ومراجعة البناء العام للنص، بالإضافة إلى أنها قد تساعد الكاتب على تجاوز “قفلة” الكتابة، لكنها ليست بديلًا عن التجربة الإنسانية، مشيرًا إلى أن إفصاح الكاتب عن استخدامه لأدوات الذكاء الاصطناعي يتعلق بحجم تدخله في النص، فإذا استعان به مثلما يستعين بمعجم، أو مدقق لغوي، أو محرر يقترح عليه بعض البدائل، فالإفصاح هنا ليس ضروريًّا في كل مرة، أما إذا تولَّت الأداة كتابة صفحات كاملة، أو صناعة الحبكة والشخصيات والأسلوب، ثم نُسب العمل كله إلى المؤلف، فهنا يصبح الإفصاح واجبًا أخلاقيًّا، لأننا لم نعد أمام “مساعدة”، بل أمام مشاركة حقيقية في صناعة النص. 

ومن جانبها، ترى الروائية الكندية مارغريت أتوود أن أداء الذكاء الاصطناعي لا يزال أدنى من أداء البشر في كتابة الشعر والرواية، مشكِّكةً في إمكانية تحسُّن هذا الأداء مستقبلًا بالشكل الذي يتخيله البعض، مؤكدةً أنه لن يتمكن من إنتاج إبداع أصيل بالمعنى الإنساني، لأنه يعتمد على استخلاص البيانات والنصوص الموجودة مسبقًا، ولا يستطيع سوى استخدام المواد التي أُدخلت إليه، حسبما ذكرت في حوار لها مع وكالة “رويترز”.

أما الروائي إبراهيم عبدالمجيد، فيرى أن الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث سهَّلا الوصول إلى المعلومات واختصرا كثيرًا من الوقت والجهد الذي كان الكاتب يبذله في البحث، مستشهدًا بتجربته في كتابة رواية “لا أحد ينام في الإسكندرية”، التي استغرق إعدادها ست سنوات في البحث وجمع المعلومات من دار الكتب، قبل أن تصبح مثل هذه المعلومات متاحة بسهولة أكبر عبر الأدوات الحديثة، مشيرًا إلى أن هذه السهولة لا تلغي دور الكاتب، لأن تحويل المعلومات إلى عمل فني يظل مرتبطًا بموهبته وقدرته الإبداعية، حسبما ذكر في لقائه مع أحد البرامج التليفزيونية.

لا شك أن الكتابة الإبداعية ليست سوى واحدة من عدة مجالات تأثرت بهيمنة الذكاء الاصطناعي، وعاجلًا أم آجلًا سيعتاد القائمون على هذه الصناعة والمستفيدون منها هذا التدخُّل، سواء بشكل كامل أو جزئي، كما اعتدناه في مجالات إبداعية أخرى؛ إذ ظهرت أدوات قادرة على توليد الألحان والموسيقى، ثم أصبحنا نشاهد إعلانات كاملة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، من الفكرة والسيناريو إلى الصورة والصوت، ربما يكون الأمر هذه المرة أكثر إشكالية، لأنه يمس واحدًا من أقدم مجالات الإبداع الإنساني، لكن التاريخ قد أثبت لنا أن المجال دائمًا سيظل مفتوحًا أمام الإنسان، الذي لا يضاهيه أي ذكاء اصطناعي.

التعليقات

اترك تعليقاً