التخطي إلى المحتوى

خُيوطْ رقيقَة: المرأة كخلفيّة لحدث الإنجاب

فيلم قصير يقدّم جزءاً من حياة أمّ فلسطينية تعيش في أمستردام مع زوجها وطفلهما حديث الولادة خلال زيارة من والديها لمساعدتها، فتأخذنا المخرجة وكاتبة السيناريو صابرين خوري في رحلة لتحديات ما بعد الولادة.

صفاء رافعي

بيروت

عقب مشاهدة فيلم ما فإنّ مشاهد بعينها تظلّ عالقة داخل رؤوسنا، ليس من الضروري أن تقوم هذه المشاهد على حركة أو حدث إذ يكفي أن تكون كثيفة في العمق حاملة لإيحاءات أبعد من المرئي قادرة على الضرب على وتر خفيّ فينا أو لمس خيط رقيق لدرجة لم نعرف أننا حملناه بداخلنا قبل رؤيتنا لها. بتلك الطريقة تستطيع المشاهد حمل الفيلم كلّه على عاتقها حتى يُختصر الفيلم بالنسبة إلينا فيها. ولكن ماذا إن كان بوسع فيلم ما أن يُسجَّل بأكمله في رأسك ومن المّرة الأولى لمشاهدته؟! 

‎هذا ما يفعله الفيلم القصير “خُيوطْ رقيقَة” للمخرجة الفلسطينية صابرين خوري من إنتاج شركة buddy film productions في هولندا، والذي لا يتجاوز سبع عشرة دقيقة، إذ تنتبه لاحقاً أنّ ذاكرتك المشهديّة قد حوته بأكمله.

‎يقدّم الفيلم جزءاً من حياة أمّ فلسطينية تعيش في أمستردام مع زوجها وطفلهما حديث الولادة خلال زيارة من والديها لمساعدتها، فتأخذنا المخرجة وكاتبة السيناريو صابرين خوري في رحلة ناقلة لتحديات ما بعد الولادة كاشفة للضغط الذي تعانيه الأم الجديدة تحت سقف التوقعات العائلية والاختناق الهادئ الذي يولّده أحياناً الحبّ والاهتمام الشديدان. وتتضاعف هذه التحديات مع تجربة الأمومة بعيداً عن الوطن، بين الحاجة إلى قرب الأهل والحاجة إلى مساحة خاصّة.

جاء تسليط الضوء على الصعوبات التي تواجهها الأم في مرحلة الرضاعة بالأخصّ وما يترافق معها من ألم وإرهاق شديدين.. والتي بوجهها الآليّ هي استهلاك للجسد الأنثوي واستعصاره إذ ينفتح الفيلم على صوت الآلة الشافطة للحليب مع صورة سوداء لنفهم لاحقاً أن “ريما” الشخصيّة الرئيسة جالسة في الحمّام ممسكة بالشافطة تنقّلها من حلمة ثدي إلى آخر مُغمضة عينيها جرّاء الوجع الشديد.

‎في قالب من الضغط والألم والإرهاق تتحرّك ريما والتي قامت بتجسيد دورها المخرجة والممثلة السورية رند أبو فخر ببراعة وحسّ مذهلين، فقد استطاعت بتعابير وجهها وحركات جسمها وتنفّسها أن تنقل هذا الألم الكبير وتجعله ملموساً. يقول المخرج السويدي إنغمار برغمان: “لا شيء في العالم يمكن أن يضاهي وجه الإنسان”. 

‎لقد برعت صابرين خوري في اختيار الكادر الصُّوري/تأطير المشاهد من زوايا قريبة ما سمح للمُشاهد بالتوحّد مع المشهد، الاستغراق في لمس الوجع والرّقة، التأمّل في التفاصيل الدقيقة لجسد الشخصيّة كالخُصل البيضاء في شعرها والتي تتبدّى كخيوط رقيقة مضيئة تجعلنا نفكّر بالعنوان، وكذلك التشقّقات البارزة أعلى ثدييها الدالة على التغيّرات التي طرأت على الجسد في فترة الحمل ومن ثمّ الولادة.

فيلم

لمس خيط رقيق لدرجة لم نعرف أننا حملناه

 تدور أحداث الفيلم في مكان واحد داخل غرف بيت في أمستردام لذا كان التركيز على تأسيس المشاهد في جعل الأشياء أيضاً تنقل الحسّ والتوتر كالمربّعات الملوّنة على حافّة البانيو التي تبرز الحالة الشعورية المتضاربة للشخصيّة، الضغوط التي ترزح أسفلها، ضغط الأمومة، ضغط الأهل وآرائهم، ضغط الذات والجسد الذي في تغيّر دائم، وأيضاً ضغط آخر جرى التلميح له من خلال الحوار ولكنه وبطريقة ما متغلغل في بناء الشخصيّة كأنّه أساسها الخفيّ والمسكوت عنه، يتمثّل بما يحدث في بلدها فلسطين أثناء فترة الابادة مترافقاً مع أمومتها ووجعها الشخصيّ. وفي الحوار يتبدى ذلك الغضب من الذات من خلال ردّات فعلها في جمل بسيطة جداً من مثل: “المكان هادئ هنا”، قد تمرّ هذه الجملة هكذا ولكنها مع تعابير الوجه وحركات الجسد تعبّر عن جزء صغير من شيء أكبر بكثير من قوله. 

في خضمّ مشاهدة هذا الفيلم نحن على موعد مع إستقراء الصمت، الألم الذي يمشي على الوجه، والنظرات الحاملة للقلق من الحُكم المجتمعي الذي جاء متمثلاً بنظرة الوالدين وآرائهم وتدخلاتهم حتى في تغيير اسم الابن وتعميده.

‎في نقلها لتجربتها الشخصيّة المُعاشة استطاعت صابرين خوري أن تجسّد ألماً نسائياً تحياه الأم الجديدة إثر الضغوطات الجمّة فتصير المرأة كخلفيّة لحدث الإنجاب، كأنّها ماكينة عليها أن تتغذّى لتُرضع فقط. قائلة: “أردتُ إظهار الجانب الآخر من الأمومة الجديدة، بعيداً عن التجميل الكبير الذي يحيط بهذه الفكرة، إذ أنّه في الخفاء تكمن صعوبات جمّة على المرأة في مواجهتها لهذه التجربة”. 

بعد احتقان طويل تقوله العينان قبل الفم ناتجاً عن تفصيل صغير يتفجّر كلّ الضغط الذي حملته ريما بداخلها؛ جاء هذا المشهد ليعبّر عن الحِمل الكبير الذي قد ينفتح عبر ثقب صغير جداً فتنهال كلّ الضغوطات دفعة واحدة كاشفة عن ذات مرهقة لأبعد حدّ.

‎ومثلما بدأ الفيلم مع الصوت الآليّ الجافّ للماكينة ينتهي مع صوت حميم ودافئ يحمل من الحنان والرقّة ما يمنحه خاصيّة الأبد.

بعد عرضه العالمي ضمن برنامج “short cuts” في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي لهذا العام، فإنّ “خُيوطْ رقيقَة” على موعد مع عرضه الأول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في شهر نوفمبر القادم ضمن مسابقة الأفلام القصيرة.

التعليقات

اترك تعليقاً